كتاب وأراء

حين تقود الديمقراطية إلـى خيـار كـارثـي

بريطانيا العريقة الديمقراطية، في وضع صعب، المجتمع البريطاني ونخبته السياسية في حالة انقسام، بعد عامين ونصف على استفتاءالخروج من الاتحاد الأوروبي (23 يونيو2016)، حيث صوت أغلبية 52 % لصالح الخروج، بعد 41 عاماً في الجماعة الأوروبية.
تشكلت حكومة أخذت على عاتقها تنفيذ القرار، ووعدت بالتوصل إلى اتفاقية تضمن الخروج بأقل كلفة، وبعد سنتين والنصف من الرحلات المكوكية، والعشرات من المفاوضات الشاقة مع القادة الأوروبيين، رفض البرلمان البريطاني بأغلبية ساحقة (432 مقابل 202 ) خطة تريزا ماي.
الآن: دعونا نطرح هذه التساؤلات:
لماذا صوت الشعب البريطاني لصالح الخروج؟ .. هل كان مدركاً حجم وكلفة قرار الخروج؟
ما دلالات الاستفتاء الشعبي على الخروج؟
هل يمكن الخروج بأقل كلفة كما وعدت ماي؟
أولاً: لا سبب وراء التصويت لصالح الخروج، إلا أن البريطانيين ضاقوا بالقادمين عبر البر الأوروبي، يزاحمونهم في العمل، يلوثون بيئتهم، يهددون هويتهم، يفسدون نظامهم، يشكلون ضغطاً على المرافق والخدمات، أرادوا التخلص من عبء المهاجرين واللاجئين( 863 ألف مهاجر، بكلفة 4 مليارات إسترليني سنويا) لا يريدون حرية حركة الهجرة إلى جزيرتهم، هم ضد سياسة الحدود المفتوحة (منظومة شينغن).
ثانياً: لم يكن الشعب البريطاني على وعي بحجم كلفة الخروج، بسب طغيان الإعلام الشعبوي المؤيد للخروج الذي عمل ما يشبه عملية غسيل وعي للجمهور حول إيجابيات الخروج ومزاياه،هؤلاء صوتوا بعواطفهم لا بعقولهم، الشعوب لا تختار دوماً ما فيه نفعها وصلاحها، لأن ما يحركها ليس دوماً المصلحة أو العقل، في أحيان كثيرة تحركها الأهواء والأحقاد أوالمطامع والمخاوف (علي حرب).
ثالثاً: الاستفتاء الشعبي، سلاح خطر، وهو مكروه في التقاليد الديمقراطية الليبرالية، بوصفه سلاحاً تفويضياً يلائم التيارات الأكثر غوغائية، منذ استخدمه بونابرت1851 للحصول على فترة رئاسة ثانية، ثم لجأ إليه في العام التالي لإلغاء الجمهورية الثانية وتحويلها إمبراطورية (وحيد عبدالمجيد).
رابعاً: الديمقراطية كنظام سياسي، به أوجه قصور ومثالب معروفة، يكفي أن أعظم ديكتاتور في التاريخ هتلر، شن حرباً عالمية أودت بملايين البشر، جاء عن طريق الديمقراطية، ومع ذلك فإن الديمقراطية أفضل صيغة نظامية للحكم توصلت إليها البشرية حتى اليوم.
خامساً: كلما كانت الديمقراطية مرتبطة بالقيم الثقافية الليبرالية، والتي أزعم أن لها جذراً سماوياً، كانت أقرب إلى الحكم الرشيد، وصحيح أن رأي الأغلبية في الشأن العام هو الأصوب، لكن هذا غالباً وليس دائماً، فقد يكون رأي الأغلبية خطأ، وتجارب التاريخ قديماً وحديثاً مؤكدة انه لا عصمة لأحد من الخطأ، فرداً أوجماعة، الفرق، أن صواب الجماعة أكثر من صواب الفرد، وأسلم في حسم الأمور، وهذا مبرر كاف للأخذ بقاعدة الأغلبية، عمود الحكم الديمقراطي، لأن البديل حكم الفرد الأسوأ أو الفوضى.
سادسا: الأغلبية قد تتخذ خياراً خاطئاً، وفي تاريخنا، استشار رسولنا عليه الصلاة والسلام الصحابة في البقاء أو الخروج من المدينة لملاقاة جيش قريش القادم لقتال المسلمين؟ اختار الأغلبية الخروج، وكان قراراً خاطئاً، تسبب في إخفاق كبير.
سابعاً: الديمقراطية، كقيم ليبرالية تواجه انحساراً تدريجياً، في مهدها في أوروبا، نتيجة تصاعد المد اليميني الشعبوي الرافض للمهاجرين، وفي أميركا أصولية سياسية تعادي كل ما بنيت عليها الديمقراطية الأميركية، سيبقى الخطر على الديمقراطية إلى أن يتضح للغالبية أن الشعبويين لا يملكون رؤية ولا مشروعاً ولا حلاً لأزمات اقتصادية واجتماعية، هم بارعون فقط في استنهاض أسوأ ما في البشر وأكثره تعبيراً عن البربرية والوحشية، وصولاً للسلطة (وحيد عبدالمجيد)
ثامناً: البريكزت تحد صعب، يمكن تجاوزه باستفتاء شعبي واع ومتبصر، بديلاً عن انسحاب بلا اتفاق، هو خيار كارثي.
ختاماً: تواجه القيم الليبرالية تحدياً كبيراً في ظل تنامي الهوية القومية المنكفئة على الذات، ووصول زعماء شعبويين إلى الحكم، وتصدع مبدأ حرية البشر في الهجرة.
بقلم: د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري