كتاب وأراء

البوصلة هي الشعوب.. لا الأنظمة انتبهوا للغد

لا تثبت المواقف السياسية على حال واحد، من كان صديق الأمس واليوم قد يصبح غداً عدواً ومن كان أخ اللحظة بعد قليل قد يصبح خصماً كبيراً، نحن السوريين، أكدت لنا الثورة ذلك، عائلات،أسر تفرقت وحصلت بينها القطيعة بسبب الانحيازات في المواقف السياسية، أصدقاء عمر دبت بينهم القطيعة الكاملة، أخوة تفرقوا وباتوا أعداء، لكن اليوم، وبعد أن شعر الجميع بالخسارة، اليوم حيث لا منتصر سوى الخراب والموت.
بدأت الناس تستعيد شيئا فشيئا بعضا من علاقاتها السابقة وصلاتها المفقودة، بدأت بالتواصل ولو من باب رفع العتب، لكن ذلك أفضل من القطيعة التامة، إذ مهما طال الزمن، سوف يعود السوريون يوما إلى التلاقي، سيكتشفون أن لا غنى لهم عن التواصل، وأنهم محكمون بالانتماء إلى بلد واحد، مهما عصفت بهم الأهوال وأخذتهم الاصطفافات إلى مساحات أخرى، (الدم لا يتحول إلى ماء)، رابطة الدم قوية، والسياسة بلا أخلاق غالبا، لكن من المؤكد والنهائي أن السياسة بلا مصداقية، وأن عدو اليوم في السياسة قد يتحول إلى صديق الغد، فالمصالح الشخصية والمصالح الفئوية تنتصر في النهاية لدى لاعبي السياسة.. التجربة اللبنانية مثال واضح، من كانوا زعماء الحرب الأهلية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، هم من يشكلون اليوم التحالف الطوائفي التوافقي، ضحاياهم صاروا ترابا، ومن لم تقتله الحرب من اللبنانيين، هو يعيش اليوم في بلد واحد وربما في عمارة واحدة مع من كان يشهر في وجهه البندقية قبل عقود.
السياسة بلا مصداقية، هذا ما يجب أن تدركه الشعوب العربية، أو ربما هذا هو الدرس الأكبر الذي تعلمته الشعوب العربية من كل الأحداث التي عصفت وتعصف في مجتمعاتنا وبلادنا، وحدهم المرتبطون بالأنظمة ومافيات السياسة والمال والحروب والقتل، أو من يمكن تسميتهم بالأبواق أو الشبيحة أو المرتزقة، وحدهم هؤلاء، يشعلون النار في جمر الخلافات المجتمعية، هؤلاء من يعطون للسياسة صفتها اللاأخلاقية، هؤلاء، الذين قد ينقلب، بعد لحظات، خطابهم العدائي إلى خطاب تصالحي، حسب ما يتم توجيههم، يجب أن يحاكموا بمحاكم الأوطان والشعوب، إذا ما أتيح لهذه الشعوب يوما أن تحاكم من تسبب لها بكل هذا القهر، بيد أن المرتزقة، على مدى التاريخ، ينجون دائما من العقاب، لأن التاريخ سرعان ما ينساهم، هم أقل حتى من أن يتذكرهم تاريخ شعب ما، يتذكر التاريخ من اشتغل على تغيير مساره: القادة وكبار السياسيين والمفكرين والكتاب والمبدعين وزعماء مافيات المال والسلاح والسياسة والحروب والموت، أما من كانوا أجراء لدى هؤلاء، مهما كانت أدوراهم في الخراب، فهؤلاء سيركنون إلى زوايا التاريخ المهملة أو إلى مزابله، أدوارهم آنية، رهينة مزاج صاحب المال الذي يدفع لهم، لا يبحث أحد عن الوطنية لدى هؤلاء، ولا عن المواقف الكبرى، لا قيمة لشيء، لا لشعب ولا لوطن ولا لمستقبل ولا لحاضر، المصلحة الشخصية الآنية هي القيمة الوحيدة التي ينتمون لها، سيجدون لهم مريدين من عامة الشعوب، لكن حتى مريديهم سينسونهم في زمن قصير جدا. التاريخ أيضا مليء بأمثلة عن هذه النماذج.
الدم لا يتحول إلى ماء، مهما كان سعي السياسة قويا لتحويل الدم إلى ماء، من يرى فرح الشعوب العربية بفوز الفريق القطري ببطولة آسيا، يدرك جيدا أن الدم لا يتحول إلى ماء، رغم كل ما اشتغل عليه مرتزقة الإعلام وشبيحة الأنظمة وأبواقها، ورغم كل التنمر الذي تعرض له الفريق من قبل الدولة المضيفة، ورغم خرق البروتوكولات الرياضية وتغييرها، رغم كل ذلك كانت فرحة محبي كرة القدم لدى الشعوب العربية ظاهرة وواضحة، واستطاعت أن تغطي بشاعة التنمر ضد المنتخب القطري الذي قدم أنموذجا مهما للفرق العربية العريقة وهي تغرق في هزائمها الكروية المخيبة للآمال. فرح العرب بهذا الفوز أثبت بلا جدال أن السياسة في مكان والشعوب في مكان آخر، مهما تم الاشتغال على تغطية أصوات ومشاعر الشعوب الحقيقية.
السياسة بلا أخلاق وبلا مصداقية، على الذين يضعون ثقتهم بالأنظمة السياسية، وعلى الخائفين من التعبير عن مشاعرهم الحقيقية، وعلى الذين يستغبون الشعوب ويتجاهلون مشاعرها، أن ينتبهوا إلى ما تخفيه الشعوب بين طبقات الخوف، أن ينتبهوا أيضا إلى ما قد يحدث في الغد.. مشاعر الشعوب هي البوصلة، لا سياسات المصالح وأهواؤها.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران