كتاب وأراء

فوبيا جنون التسوق وما تعكسه

رغم أن هناك ترجمة عربية للفظ «فوبيا» وهو: «الرهاب»، إلا ان كثيرين يستمرئون استخدام المصطلح غير العربي، فصار اصطلاح الفوبيا، بأنواعها التي هي بالعشرات، الأكثر انتشارا في الأفواه، ومن هذه الفوبيات: فوبيا الشراء، أو ادمان التسوق وجنون الشراء، وفيها يكون فرط الشراء ليس بدافع الاحتياج الحقيقي ولكن هروبا من مشكلة أو مشكلات في الحياة، ولهذا كنت لا أستبعد وجود علاقة بين ارتفاع معدلات الطلاق في مجتمعاتنا العربية، واكتظاظ الاسواق في مختلف المدن العربية بالمتسوقات النساء، اللواتي أظن انهن أكثر عددا من المتسوقين الرجال، والقاسم المشترك بين ارتفاع معدلات الطلاق، وزيادة عدد المتسوقات قياسا إلى عدد المتسوقين، هو وجود علاقة عاطفية باردة بين المتزوجين، أو تصل درجة حرارتها حرارة الجليد، فهذه الظواهر متداخلة، أي انها اولاد عم، وليس كل منها ظاهرة قائمة بذاتها منفصلة عن غيرها من الظواهر الاجتماعية، فالطلاق أو الانفصال الزوجي العلني أو المستتر وفوبيا الشراء، هي ظواهر لها شجرة عائلة اجتماعية واحدة.
وقد ازدادت ثقتي بما كنت أظنه، بعدما قرأت بإحدى الصحف العربية أقوالا في حوار صحفي مع استشارية للصحة النفسية وخبيرة في العلاقات الاسرية قالت فيه ان فوبيا الشراء لها أبعاد نفسية وأسرية، وأن الحرمان العاطفي في الصغر، نتيجة بخل الأبوين في المشاعر، يعد أحد أهم الأسباب، تليها قسوة الزوجين مع بعضهما، وبخل كل منهما في معاملة الآخر بمدح، يفاقم من مسببات فوبيا الشراء.
ومن ثم يمكن القول ان البيوت التي يداهمها صقيع عاطفي بين الازواج تتقيأ مشاكلها في الاسواق بصورة فرط الشراء، سواء للزوجة أو الزوج، غير ان اللافت في الأمر ان السيدات هن القوى الشرائية الأكثر ثقلا، مما يجعل مكاسب الاسواق من مصائب الحياة الزوجية فوائد، فهي تبيع كثيرا بقدر ما تستقبله من الزبائن الهاربين من معضلاتهم ومشكلاتهم البيتية المختلفة، كما يمكن القول مزحا ايضا ان الاسواق ومحلاتها يسعدها الحال الراهن، كونها مستفيدة من وفود قوة شرائية كبيرة، تبحث عن علاج ذاتي في شراء مجنون، لا يتطابق مع الاحتياجات الفعلية.
ومن ثم كذلك لم يعد جنون التسوق مباهاة ومظاهر كما كان يظن، ولكنه ايضا تعبير عن وجع أسري، أو عن ان سفينة الاسرة تواجه عواصف وزعابيب، رغم ان الشراء المجنون هدر وجنوح وليس ترياقا.
وعلى العكس مما يعكسه جنون الشراء، تكون المحبة والمودة بين الزوجين عاكسة لحكمة واتزان في الانفاق، فيتطابق الشراء مع الاحتياجات، وتلتزم هذه الأسرة السعيدة بسلوك الادخار، لينفع القرش الابيض في اليوم الاسود، ولمواجهة التقلبات في الأسعار، وظهور احتياجات جديدة وغير مسبوقة في الحياة العصرية، وللتخطيط لغد أفضل للأبناء، فلا فائدة من شراء مرضي يفرغ الجيوب مما فيها، فلماذا لا نستبدل فوبيا الشراء بحكمة الادخار؟!

حبشي رشدي