كتاب وأراء

التوثيق بالفن .. لوحة الزبارة أنموذجاً

عندما تتاح لفنان فرصة للحديث عن فنان من جيل الرواد أو أن يكون لديه منبر إعلامي يسجل من خلاله شهادة لله ثم للتاريخ فلا يتركها خاصة ان كان هذا الفنان هو واحد من أهم التشكيليين الذين أسهموا في إيجاد الحركة التشكيلية القطرية، وأنا اليوم سأكتب عن الفنان القطري المميز يوسف أحمد صاحب البصمات الواضحة في عالم الفن، سأكتب عنه مقالا انطباعيا يمكن تسميته أنه باكورة مشروع أدبي وفني هو عبارة عن سلسلة من المقالات سأتحدث خلالها من وجهة نظر شخصية عن رواد الحركة التشكيلية القطرية الذين ساهموا ولا يزالون في رفد المشهد التشكيلي بإبداعاتهم، وسأتعرض لجوانب بسيطة من إبداعاتهم نظرا لأن المقام لا يستوعب الحديث عن كل ما قدموه وهو كثير.
في مقالي الأول سأكتب عن الفنان يوسف أحمد الذي شارك بتطوير الفن الحديث والمعاصر في قطر، من خلال مراقبته التطورات الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، الفنية، والتاريخية التي شهدتها البلاد خلال السبعينات والثمانينات، فهو دائما ما يرى أنه ينبغي على أي فنان خاصة العرب ألا يغض الطرف بتاتاً عن ثلاثة أمور في إنتاجه الفني؛ أولها الارتباط بقوى التأثير والتفاعل في البيئة الشعبية؛ الثاني هو دعم وتدعيم تراث وتقاليد الأسلاف والحضارة؛ الثالث هو مواجهة حقائق الحياة وأحداث العالم مهما كانت صادمة أو بغيضة.
وما يميز الرائد يوسف أحمد أنه يقدم لجمهوره أفكاره وما يؤمن به في شكل أعمال فنية إبداعية يمكن من خلالها استلهام أسلوبه والاستفادة منه كثيرا فهو يجيد استخدام الألوان بحسب الحاجة ووفقا لما تقتضيه الظروف، ولديه قدرة عجيبة على وضع المتلقي داخل الأجواء التي كان يعيشها أثناء رسم اللوحة من خلال الكشف عن مشاعر الفنان الذاتية، فنجده يلجأ إلى الألوان الأساسية والثانوية على حد سواء، وأحياناً، تتدرج ألوانه الباردة والدافئة بصورة متناسقة، بينما تتضارب بشكل متمايز، في أحيان أخرى.
ولا تزال ألوان الأرض، مثل البني الخفيف والأصفر الفاتح وجميع الألوان التي تمثل البيئة الشرقية طاغية على أعماله، فالمتأمل لعمله «الزبارة» والذي قدمه في عام (1993) يدرك من الوهلة الأولى مهارته في التنقل بسلاسة بين تدرج الألوان، واتقانه لاستخدام جميع أنواع الصبغات بل والعمل على تطويرها من أجل الحصول على ألوان محددة وقريبة على قدر المستطاع من تلك الموجودة في بيئته الطبيعية.
في لوحة الزبارة التي استوحاها من مجرد سرد الأولين عن حياة الأجداد في مدينة الزبارة إلا أنه أجاد بامتياز في وضعنا داخل هذه المدينة ونجح في أن يجعلها تنبض بالتفاصيل الدقيقة التي تخيلها ووضعها بدقة في هذا العمل والتي هي جميعها مستلهمة من بيئته المحلية، فنجد ألوان الأرض مثل ألوان التراب والرمل من أجل تصوير بلده وجوانب الهوية العربية بأسلوب عصري.
وفي هذه اللوحة –الزبارة- لا أخفي سرا حينما أقول إنني تأثرت جدا بها وتعلمت أيضا منها الكثير وأشعر كلما أراها أنني أمام عمل فني راق لا يقل في أهميته عن الأعمال العالمية التي قدمها كبار الفنانين حول العالم، فهي تحوي الكثير من التفاصيل وكأن راسمها قد عاش في تلك المدينة وكأن جنباتها محفورة في ذاكرته، ولا أستبعد أن تكون مدينة الزبارة بنفس الشكل الوارد إلينا في لوحة الفنان يوسف أحمد، وهنا تتجلى أهمية الفن ككاشف للماضي وسابر لأغواره، أو كمتنبئ للمستقبل
بقلم :
ريم العبيدلي
تشكيلية قطرية

ريم العبيدلي