كتاب وأراء

البيان الوزاري للحكومة اللبنانية

بعد تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة أنجزت لجنة إعداد البيان الوزاري بسرعة قياسية، وفي حين أبقى البيان على الصيغة السابقة في ما خص بند المقاومة الذي يؤكد حق المواطنين في مقاومة الاحتلال، كان لافتاً أنه في الجانب الاقتصادي والاجتماعي لم يأت على قدر آمال وتطلعات اللبنانيين بإحداث تغيير حقيقي في السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية «النيوليبرالية» التي انتهجت منذ نحو ثلاثة عقود وكانت السبب في تراكم الأزمات التي يعاني منها لبنان.
حيث الدين العام تجاوز الـ 86 مليار دولار وفق الرقم الرسمي فيما العجز في الموازنة تجاوز الـ50 بالمائة والعجز في الميزان التجاري بلغ مستويات خطيرة والبطالة تجاوزت الـ 30 بالمائة وهجرة الشباب إلى ارتفاع والوضع المعيشي بات جحيما بالنسبة للفقراء والفئات المحدودة الدخل بسبب الارتفاع الجنوني في الأسعار وتدني القدرة الشرائية في الخدمات العامة باتت الأسوأ في تاريخ لبنان حيث التقنين في الكهرباء مستمر والنفايات لا تجد علاجا لها..الخ القائمة التي تبدأ ولا تنتهي، والسبب في هذا الاستنتاج أن البيان الوزاري أعاد تثبيت نفس السياسات الريعية القائمة على مزيد من الاستدانة والخصخصة وفرض الضرائب التزاما في تطبيق حزمة شروط مؤتمر باريس أربعة «سيدر» مقابل القروض التي ستقدّم للبنان..
من يقرأ الإصلاحات التي يدعو إليها «سيدر» يجد أنها تشدد على أن الموافقة على القروض مرهون بقيام الحكومة اللبنانية بسلسلة من الإجراءات أهمها: فرض ضرائب جديدة، خفض العجز في الموازنة بنسبة 5 بالمائة، وتحسين التغذية الكهربائية وخفض أعبائها بما يخفض الدين العام، وتحرير قطاع الاتصالات وخصخصته، وتعزيز تدابير الشفافية والمساءلة، ومكافحة الفساد… ومثل هذه الاشتراطات التي تندرج في سياق الحديث عن معالجة أزمة العجز في الميزانية والدين العام إنما تعني بشكل لا لبس فيه الاستمرار في السياسات الريعية النيوليبرالية التي تقوم على مزيد من الاستدانة والخصخصة والمزيد من فرض الضرائب، وهي سياسة لم تؤدّ على مدى العقود الماضية إلا إلى جعل لبنان في صدارة الدول المثقلة بالديون، والفاقدة للتنمية والعدالة الاجتماعية التي تشكل جوهر مطالب اللبنانيين الذين يريدون استثمارات في القطاعات الإنتاجية التي وحدها تحقق النمو وتوفر فرص العمل للشباب، كما يريدون عدالة اجتماعية عبر إعادة النظر بالنظام الضريبي بحيث يقوم على اعتماد الضريبة التصاعدية المباشرة التي تحمل أصحاب الثروات والمؤسسات المالية العبء الضريبي الأكبر،. كما أنّ المطلوب الحفاظ على ملكية الدولة لقطاع الاتصالات الذي يدرّ عائدات مهمة على خزينة الدولة وليس خصخصته، وإصلاح قطاع الكهرباء عبر تأمين التيار 24 على 24 بأقلّ كلفة من خلال قبول المساعدة التي تعرضها العديد من الدول التي أبدت استعداداً لدعم لبنان لحلّ هذه الأزمة المستمرة منذ ثلاثة عقود نتيجة الفساد والصفقات التي أغرقت مؤسسة الكهرباء بالديون وبات عبئا على الخزينة العامة بدلا من أن تكون موردا لها..
ولهذا يبدو أنّ هناك هوة كبيرة بين إصلاحات «سيدر»، وبين ما يريده اللبنانيون من إصلاحات تحقق لهم تغييرا فعليا في السياسات التي تسببت بأزماتهم وفي طليعة هذه الإصلاحات سن نظام ضرائبي جديد يقوم على إعادة توزيع الثروة بشكل عادل بين فئات المجتمع عبر اعتماد الضريبة المباشرة التصاعدية، ودعم القطاعات الإنتاجية وإطلاق عمل أجهزة الرقابة والمحاسبة لوضع حد للصفقات واستشراء الفساد..
من هنا فإن ما نص عليه البيان الوزاري في الجانب الاقتصادي والمالي والاجتماعي لا يحقق للبنانيين ما يأملون من حلول جدية لأزماتهم.. ولهذا فإن ما هو متوقع أن يقود الالتزام بشروط مؤتمر «سيدر» إلى زيادة الدين العام الداخل والخارجي وبالتالي زيادة أعباء هذا الدين ومفاقمة العجز في الموازنة وإرهاق اللبنانيين بالمزيد من الضرائب التي تثقل كاهلهم، وهو ما قد يؤدي إلى احتجاجات اجتماعية بعد أن يتيقن المواطنون من عقم العلاجات الحكومية المستندة إلى وصفات الدول الدائنة ووصفات الصندوق والبنك الدوليين..
بقلم: حسين عطوي

حسين عطوي