كتاب وأراء

الاحتجاج المميت «1 - 2»

قبل أيام، تم العثور على جثة المخرج والكاتب والحكواتي الفلسطيني الشاب إسلام الصيرفي، بعد أن ألقى بنفسه من على صخرة عالية جدا، تسمى «صخرة الموت» في منطقة وادي الباذان في مخيم عسكر في فلسطين، وتحدث من يعرفونه أن إسلام كان قد استنفد كل محاولاته لتأمين عمل يقيه ذل السؤال والفاقة هو وزوجته وطفلته الصغيرة، انتحر إسلام الصيرفي من صخرة عالية جدا، بحيث يضمن أنه سيموت حتما، ولن يبقى فيه رمق حياة يمكن أن يسبب العذاب لمن حوله! بعد يوم أضرم شاب لبناني آخر يدعى جورج زريق النار بنفسه أمام المدرسة الخاصة التي تدرس فيها ابنته في منطقة الكورة، بعد أن طردت المدرسة الطفلة لعدم تسديد الأهل للأقساط المدرسية، لم يجد جورج زريق طريقة يحتج بها على سوء الأوضاع المعيشية في بلده غير أن يحرق نفسه ليموت لاحقا متأثرا بحروقه الكبيرة! وأيضا، وفي نفس اليوم أقدمت سيدة سورية من مدينة دوما، تم تهجيرها إلى إدلب قبل أكثر من عام، على قتل طفليها ثم حاولت قتل نفسها لولا أن تم نقلها إلى المستشفى لتبقى في العناية المركزة، مصيرها بين يدي الله تعالى حاليا، والسبب كما أشيع، هو عجزها عن تأمين معيشة أولادها وتردي وضعها الاقتصادي، وعجزها عن التأقلم في هجرتها الجديدة!
أخبار كثيرة يومية تصدمنا بها الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي عن شبان وشابات عرب يضعون حدا لحياتهم عبر الانتحار بطرق مختلفة، وأخبار عن جرائم قتل يرتكبها آباء وأمهات بحق أطفالهم بسبب عجزهم عن تأمين لقمة العيش لهم ولأبنائهم، فيرسلونهم إلى موت سريع كي لا يروهم جائعين ومعذبين، ويلحقون بهم لفرط إحساسهم بالذنب، أخبار الانتحار والقتل والموت التي يتسبب بها سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في بلداننا العربية تكاد تكون خبرا يوميا، إذ لا يمر يوم خاليا من هكذا خبر، متزامنا مع أخبار زيادة الأسعار وانهيار العملات المحلية وازدياد الفساد الإداري والمالي، وازدياد دائرة الاستبداد وعنفها وإحكام السيطرة على الشعوب من كل النواحي! لا يكاد يمر يوم دون أخبار عن ذلك، حتى ليخيل للمتابع أن أمة العرب ستنهار عن بكرة أبيها أسرع مما يمكن التخيل، إذ لا يمكن لظلم كالظلم الذي تعانيه الشعوب العربية أن يستمر طويلا، لن تحتمل الشعوب هذا القهر اليومي الذي لا ينتهي، ولن تحتمل هذا العسف والعنف والقمع لوقت طويل.
سيقول قائل إن هذه الشعوب قد جربت حظها مع الحراك والثورات في 2011، والنتائج كانت مخيبة للآمال، بل هي من أوصلت الأوضاع إلى ما وصلت إليه الآن، إذ لا يمكن لأحد أن يفصل بين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية الحالية في بلادنا، وبين الربيع العربي، والنتائج المريعة لهذا الحراك الشعبي ربما تكون سدا منيعا أمام أي حراك جديد.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران