كتاب وأراء

ما أحوج أبوظبي إلى قراءة «رسالة التسامح» التي كتبها «فولتير»

دلالات توقيع اتفاقية «الحوار الاستراتيجي» القطري - الفرنسي

دلالات توقيع اتفاقية «الحوار الاستراتيجي» القطري - الفرنسي

ليست العلاقة بين قطر وفرنسا، كما يراها بعضهم، في نظرة ضيقة، محصورة في الاستثمار الرياضـــــي القـــطري، عــــبر شــــراء نـــــادي «باريــــس سان جيــــرمــــان»، المملوك لجهاز قطر الاستثماري منذ عام 2011، مما شكل طفرة قوية، ونقلة نوعية، في مسيرة هذا النادي الباريــــسي، الذي تأســـس عام 1970، ورجع بعد تأهيله، وعــــاد بعد تــــطويــــره، بالأفكار القطرية، ليتصدر الدوري الفرنسي، ويصبح واحداً من أقوى الأندية الأوروبية.
.. ولا تقتصرعلاقة القطريين بالجمهورية الفرنسية – كما يَنظر إليها البعض – على التسوق في «جاليري لافييت»، وشراء العطور الشهيرة، واقتناء حقائب «لوي فوتون» المشهورة!
.. ولا يمكن اختزال علاقة الدوحة مع باريس، على تجول القطريين في شارع «الشانزليزيه»، وصعودهم «برج ايفل»، وزيارتهم متحف «اللوفر» – وليس فرعه الآخر الموجود في أبوظبي – وتوقفهم أمام لوحـــــــة «الموناليـــــزا»، لمعرفـــة الســر الغامــــض، الكــــامن في ابتسامة صاحبتها، التي لا تضاهيها في سحرها سوى ابتسامة عبدالفتاح السيسي!
.. وما من شك في أن العلاقات القطرية – الفرنسية لا يمكن اختصارها في هذا، ولا اختزالها في ذاك، أو تلخيصها في هذاك، لكنها علاقة تكاملية قوية بين بلدين صديقين، يحرصان كل الحرص على تطويرها إلى مجالات أوسع، وتوطيدها إلى آفاق أرحب.
.. وفي إطار رحابها الأرحب، جاء التوقيع على اتفاقية النوايا، لإطلاق، «الحوار الاستراتيجي» بين قطر وفرنسا، لتعطي العلاقات القطرية – الفرنسية بعداً استراتيجيا، وإطارا تكامليا، يشمل كافة جوانبها السياسية والاقتصادية والاستثمارية والأمنية والدفاعية والثقافية والتعليمية والرياضية وغيرها.
إضافة إلى تعاون البلدين الصديقين في مجال «مكافحة الإرهاب»، وهذا الأمر تحديداً يدحض ادعاءات دول الحصار الجائر، ويلغي افتراءاتهم، وينسف مزاعمهم، بشأن دعم قطر لما يسمونه «الإرهاب»، لأن الدوحة لو كانت كذلك لما حرصت فرنسا، وغيرها من الدول دائمة العضوية في «مجلس الأمن»، على توقيع اتفاقيات شراكة استراتيجية معها، لمحاربة هذه الآفة، ومشاركتها في التصدي للتطرف العنيف، عبر إقرار الأطر القانونية والوقائية من هذه الظاهرة العالمية.
.. ولعل أبرز ما تعكسه اتفاقية «الحوار الاستراتيجي»، الموقعة بين قطر وفرنسا، أنها توجه رسالة فرنسيــــة بلغة «نابليـــــون بونــــابرت» واضحــة الكلمــــات، عميــــقة الدلالات، صريحة العبارات، دقيقة الإشارات، مفــــادها أنـــه لا علاقة للدوحــــة، بكل الجلبة الصاخبة، والمزاعم الكاذبة، التي تروجها دول الحصار الجائر، جوراً وبهتاناً وكذباً، ضدها.
كما تؤكد اتفاقية النوايا الموقعة، فيما تؤكد، أن نوايا أبوظبي وتوابعها ضد قطر خبيثة وخسيسة، وادعاءاتها ضدها لا أساس لصحتها، ولا استجابة لها في أوساط الفرنسيين، الذين يقودون «الاتحاد الأوروبي»، بمشاركة نظرائهم في ألمانيا، وشركائهم في سائر الدول الأوروبية المتحضرة.
.. وتؤكد اتفاقية «الحوار الاستراتيجي» التي تم توقيعها بين الدوحة وباريس، أن «الإرهاب» الذي يزعمونه في قطر يتمثل في إرهابهم لها، وتهديدهم لسيادتها، والتعدي على استقلالها وحريتها في اتخاذ موقفها القومي، وقرارها الوطني، المنسجم مع متطلبات مصالحها.
.. ويكفي أن وزير الخارجية الفرنسي «جان ايف لودريان»، أكد أن علاقات بلاده مع قطر تسير على «خط مستقيم»، وكأنه بذلك يشير إلى أن العلاقات القطرية – الفرنسية تنطلق في مسارها، مثل قطار سريع، ينطلق نحو أهدافه من محطة «غار دو نور» (Gare du Nord) باتجاه الدوحة!
أو أنه يؤشر إلى تنـــامي العــــلاقات القطرية – الفرنسية وصعــــودها إلى الأعلى، مثل «برج ايفل»، ذلك البرج الحديدي الصاعد نحو السماء بارتفاع 324 متراً، والذي أصبح رمزاً للعاصمة الفرنسية.
.. ولعل ما يعكس صعود العلاقات بين قطر وفرنسا نحو آفاق أوسع، الزيارة المرتقبة التي من المقرر أن يقوم بها رئيس الوزراء الفرنسي «ادوار فيليب» إلى الدوحة في السابع والعشرين من الشهر المقبل.
.. وبعيداً عن هذه الزيارة، التي تحظى بترحيب القطريين كعادتهم مع ضيوفهم، وخارج إطار القضايا السياسية، ذات الاهتمام المشترك بين قطر وفرنسا، استوقفني تأكيد الوزير الفرنسي «لودريان»، أن بلاده ستكون دائماً إلى جانب قطر، وتدعمها في تنظيم كأس العالم 2022، وهو «المونديال» الذي تسعى أبوظبي وغيرها من عواصم التآمر لإجهاضه، عبر التشكيك فيه، والتشويش عليه!
.. ويعكس هذا الموقف «الظبياني» الحاقد، بل الموقف «الصبياني» الحاسد، الحالة المرضية التي وصلت إليها أبوظبي، خلال تعاملها مع الشأن القطري، حيث نجدها تحاول يائسة، وتسعى بائسة أن تحرث البحر، بهدف الإساءة إلى قطر!
.. والمؤسف أن يتحول «العربان» في المنطقة إلى غربان، ويتحول من كنا نعتبرهم من الأشقاء إلى الأعداء، ومن كنا نعدهم من «الإخوان» إلى عدوان، بل معتدين، يسعون للانقضاض على إنجازاتنا، والانتقاص من مكتسباتنا!
.. ولا تستر أبوظبي – عن الملأ – ضيقها، ولا تخفي انزعاجها الكبيرين من جراء نجاح الدوحة، في نيل شرف استضافة أكبر حدث كروي عالمي، حيث نجدها تواصل التشكيك عبر أذرعتها الإعلامية، بأن «المونديال» لن ينظم في قطر، وكأن قرار التنظيم صادر من «قصر البطين» أو من «دلما»، أو من جزر «ياس» أو «داس»، أو «صير بني ياس»!
.. ويكفي التوقف عند المؤامرة، التي كشفتها قبل أيام صحيفة «الجارديان» البريطانيــــــة، حـــول وجود مخطط شيطاني، يستهدف «المونديال القـــطري»، بتمويل «ظبياني»، وترتيــــب من الخبـــير في حــزب «المحافظـــيــــــــن» الأســـتــــرالي المـــدعــــو «لينتون كروسبي»، الموعود بالحصول على «5.5» مليون جنيه من دولة أجنبية – حكومة أبوظبي – لتقديم «خدمات سحرية» لها، بهدف سحب الاستضافة المونديالية من قطــــر، على طريقة «هاري بوتر»!
.. وتتضمن الخطة المسماة (Broject Boll) الممولة من الأموال الإماراتية الفائضة، تجهيز غرف إخبارية تعمل على مدار الساعة، هدفها نشر أخبار سلبية عن قطر، وإدارة حملات إعلامية كاذبة ضدها، بهدف الإساءة إليها، في أوساط الرأي العام العالمي، عبر شركات التواصل الاجتماعي وغيرها، من خلال محاولة إلصاق تهمة «الإرهاب» بها، لتقويض أي جهود تبذلها في إطار استضافتها للمونديال!
.. وبصراحة، بل بمنتهى الصراحة، لم نلمس حقداً دفيناً، على مدى تاريخ المنطقة، بكل عداواتها وكافة اعتداءاتها، مثل هذا الحقد الأسود، الغارق في السواد، الذي يشتعل في نفوس المتآمرين ضد قطر، دونما سبب، سوى اختلاف السياسات القطرية عن سياساتهم، وابتعاد المواقف القطرية، عن المواقف المثيرة للجدل، التي تتبناها أبوظبي وتوابعها، بشأن كيفية التعاطي مع القضايا الإقليمية وغيرها!
يحدث هذا في الوقت الذي نجد فيه دول العالم المتحضر والمتطور، إضافة إلى القوى العالمية الكبرى، وفي مقدمتها فرنسا وغيرها، تحرص على تطوير علاقاتها مع الدوحة.
.. وما مــــن شك فـــــــي أن توقيــــــع اتفــاقيـــة النوايا، لتدشــــين «الحوار الاستراتيجي» القطري – الفرنسي، يعكس مدى تقدير فرنسا لمكانة قطر إقليمياً ودولياً.
.. ومثلما تدرك باريس أهمية الدوحة، ودورها الإيجابي المؤثر في محيطها الخليجي والعربي والدولي، تدرك قطر جيداً دور الجمهورية الفرنسية كقوة دولية، فاعلة ومتفاعلة مع قضايا الشرق الأوسط، لها ثقلها الوازن، ودورها المتوازن، في ترسيخ الأمن والاستقرار والسلم على مستوى العالم.
.. ولا جدال في أن رفع مستوى العلاقات الثنائـــية بيـــن دولة وأخرى، إلى مســـتوى «الحوار الاستراتيجي»، يكرس اهتمام الطرفين بهذه العلاقة، ويرسخها في إطار «مؤسساتي»، ويمنحها طابع الديمومة الدورية.
كما يساهم «الحوار الاستراتيجي» في خلق فرص متكافئة للطرفين المتحاورين، للاستماع بإنصات لبعضهما البعض، والحديث باهتمام مع بعضهما البعض، مما يساهم في ترسيخ القواعد المتينة، التي تقوم بها العلاقات بين الجانبين.
.. ولعل ما يميز هذه النوعية من «الحوارات الاستراتيجية» تمتعها بالتكافؤ، والتكيف مع مساراتها، ومتابعة ملفاتها، وفقاً لرغبات طرفي الحوار.
إضافة إلى تجاوزها المستـــوى الاعتيـــادي، أو العادي للحوارات الثنائية العادية، من حيث عمقها، وشموليتها، وخصوصيتها.
كما أنها تتجاوز في جميع الأحوال الاعتبارات الظرفية، أو القصيرة المدى، من حيث استشرافها لآفاق المستقبل البعيدة المدى.
.. ولكل هذا سيساهم «الحوار الاستراتيجي» المزمع تدشينه بين الدوحة وباريس، في وضع الأسس المتينة لتطوير العلاقات اللصيقة بين الطرفين، بشكل يعكس الشراكة المميزة بين الجانبين.
.. والملاحظ أنه بينما تتجه دول العالم لإطلاق «الحوارات الاستراتيجية» بين بعضها البعض، في إطار علاقاتها الثنائية أو الجماعية، نجد دول الحصار الجائر، تدير ظهرها لدعوات الحوار، الذي لا بديل عنه مع قطر، ولا فرار منه مع الدوحة.
وما من شك في أنه عندما يغيب الحوار، يزيد «الخوار» في أوساط دول الحصار، وفي مقدمتهم أبوظبي، التي أطلقت عاماً مزعوماً، تسميه «عام التسامح»!
فأي تسامح هذا الذي يتحدثون عنه، فيما يواصلون حصار قطر، في عام «تسامحهم» المزعوم!
وأي تسامح هذا الذي يروجون له، بينما لا يتسامحون مع أنفسهم، قبل أن يبادروا بالتسامح مع غيرهم!
.. وما من شك في أن «التسامح» الذي تزعمه أبوظبي، هو من النوع المتملق، المتنمق، الذي لا يظهر ما في جوفه من أحقاد، تفوح منها رائحة الكراهية الكريهة، التي لا علاقة لها بقيم التسامح.
.. وهذا يقودني إلى التوقف عند «رسالة التسامح»، التي صاغها الفيلسوف الفرنسي «فولتير» (1694 – 1778)، قبل أكثر من 250 عاماً تقريباً، والذي حرصت قطر على تقدير تسامحه، وتكريمه من خلال افتتاح مدرسة تحمل اسمه عام 2008، في إطار التسامح القطري، الذي يرتكز على تنوع الثقافات، وتعدد الحضارات في قطر، وقبول الآخر واحترامه.
.. وما أحوج أبوظبي وتوابعها إلى قراءة «رسالة التسامح»، التي كتبها المفكر الفرنسي«فرانسو ماري أروويه»، وهذا اسمه الكامل، الذي أصبحت أفكاره رمزاً للقيم الفرنســــــية، التــي يتــــم تدريســــها في مدرسته فــــي الــــدوحـــة، باعتبارها تمثل عمقاً ثقافياً فرنسياً في عمق المجتمع القطري، عبر مساهمتها في تخريج أجيال من خريجيها «المتسامحــــــين»، المتمكنـــين من اللغــة الفرنســـية، دون التفريط في ثقافتهم العربية، وهويتهم القطرية.
.. ولأن الفيلـــــسوف الفرنــــسي «فولتيــــر» يكــــره الظلــــم أيــــــاً كــــان مصـــدره، ويحــــارب الفكـــــــر الظــــــــلامي أيــــا كـــــــان منبعـــه، فقد أطلــــق عبــــارتــــه الشـــهيرة: «قد أختلف معك في الرأي، لكني مستعد لأدفع حياتي ثمناً من أجل أن تقول رأيك».
.. ولأن التسامح في معناه ومغزاه، الذي يقصده فيلسوف فرنسا، يكمن في الموقف الأخلاقي، الذي يبيح لشخص ما، أو جهة معينة، قبول أساليب الآخرين في التفكير والتدبير والتعبير والقيم النبيلة المتمثلة في احترام موقف الآخر، دون ازدراء، أو إقصاء أو إلغاء.
.. ولأن التسامح الحقيقي، يبدأ في محاربة الحقد، ويرفض كل أشكال الكراهية، وينبذ كل معاني الحسد، ويفتح أبواب الحوار مع الآخر، وهذا ما لا تفعله أبوظبي مع الدوحة..
أستطيع القول – بثقة – أن «وحش الكراهية» الذي حاربه «فولتير» في القرنين السابع عشر والثامن عشر، هو نفس الوحش الكريه، القابع في أبوظبي وتوابعها، الذي يحاول أن ينشب أنيابه، ويغرز مخالبه في مجتمعنا القطري الآمن، لتمزيق جبهتنا الداخلية.
.. ومشكلة أبوظبي أنها غير متسامحة أصلاً مع التسامح، ولهذا لا تسمح لأحد من مواطنيها أن يتعاطف مع قطر، بل أنها حبست مواطناً بريطانياً، لمجرد قيامه برفع علم قطر، بعد فوز منتخبنا الوطني ببطولة آســــيا، في انتهــــاك فاضح، واعـــتداء واضــــــح على قيم التسامح الحقيقية.
.. ولو توقفنا قليلاً عند «رسالة التسامح» التي كتبها «فولتير»، سنجد أنه يحذر من كراهية الإنسان لأخيه الإنسان، ويجزم أن الله لم يمنحنا قلوباً كبيرة ليكره أحدنا الآخر، كما تفعل أبوظبي معنا!
.. ولم يخلق لنا ألسنة، لنشتم بها خصومنا في الرأي والموقف، كما يفعل زارع الكراهية في الإمارات!
.. ولم يخلق لنا خالقنا أيادي، لكي نؤذي بها غيرنا، ويخنق بعضــــنا الآخر، ويـــقوم بتقطيع جثته، «وتجزئتها» بالمنشار، كما فعلت السعودية مع «خاشقجي»!
فأي كلام عن التسامح، أصدق من هذا الكلام «الفولتيري»، وأي حقيقة أعمق من هذه الحقيقة، التي تؤكد أن قيم «التسامح الحقيقي» لا وجود لها في أبوظبي وتوابعها!
.. ويبقى بعد ذلك، أننا لن نفاجأ لو زعمت عاصمة الإمارات – كعاداتها - في إطار بحثها عن الأمجاد التاريخية، والتصاقها بالشخصيات التاريخية، كـــما فعـــلت مـــــع القائد العُماني «الملهب بن أبي صفرة»!
.. أقول إننا لن نفاجأ لو زعمت أبوظبي، أن «فولتير» من أصل إماراتي، وتربطه صلة قرابة مع «طناف»، الشخصية المتسامحة، التي جسدها «جابر نغموش» في مسلسل دارت أحداثه، حول ذلك الرجل البسيـــــط،وان الفيلسوف الفرنسي الشهير، الذي يعتبر رمز التنوير في عصره من مواليد «رأس الخيمة»!

أحمد علي