كتاب وأراء

الاحتجاج المميت (2 - 2)

لم يجد «جورج زريق» طريقة يحتج بها على سوء الأوضاع المعيشية في بلده غير أن يحرق نفسه ليموت لاحقًا متأثرًا بحروقه الكبيرة.. وأيضًا، وفي اليوم نفسه أقدمت سيدة سوريا من مدينة دوما، تم تهجيرها إلى إدلب قبل أكثر من عام، على قتل طفليها ثم حاولت قتل نفسها لولا أن تم نقلها إلى المستشفى لتبقى في العناية المركزة، مصيرها بين يدي الله تعالى حاليًا، والسبب كما أشيع، هو عجزها عن تأمين معيشة أولادها وتردي وضعها الاقتصادي، وعجزها عن التأقلم في هجرتها الجديدة!
أخبار كثيرة يومية تصدمنا بها الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعية عن شبان وشابات عرب يضعون حدًا لحياتهم عبر الانتحار بطرق مختلفة، وأخبار عن جرائم قتل يرتكبها آباء وأمهات بحق أطفالهم بسبب عجزهم عن تأمين لقمة العيش لهم ولأبنائهم، فيرسلونهم إلى موت سريع كي لا يروهم جائعين ومعذبين، ويلحقون بهم لفرط إحساسهم بالذنب، أخبار الانتحار والقتل والموت التي يتسبب بها سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في بلداننا العربية تكاد تكون خبرًا يوميًا، إذ لا يمر يوم خاليًا من هكذا خبر، متزامنًا مع أخبار زيادة الأسعار وانهيار العملات المحلية وازدياد الفساد الإداري والمالي، وازدياد دائرة الاستبداد وعنفها وإحكام السيطرة على الشعوب من كل النواحي! لا يكاد يمر يوم دون أخبار عن ذلك، حتى ليخيل للمتابع أن أمة العرب ستنهار عن بكرة أبيها أسرع مما يمكن التخيل؛ إذ لا يمكن لظلم كالظلم الذي تعانيه الشعوب العربية أن يستمر طويلاً، لن تحتمل الشعوب هذا القهر اليومي الذي لا ينتهي، ولن تحتمل هذا العسف والعنف والقمع لوقت طويل.
سيقول قائل إن هذه الشعوب قد جربت حظها مع الحراك والثورات في 2011، والنتائج كانت مخيبة للآمال، بل هي من أوصلت الأوضاع إلى ما وصلت إليه الآن؛ إذ لا يمكن لأحد أن يفصل بين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية الحالية في بلادنا، وبين الربيع العربي، والنتائج المريعة لهذا الحراك الشعبي ربما تكون سدًا منيعًا أمام أي حراك جديد، فالخوف من انهيارات وهزائم أخرى جديدة سوف يعيق أي حراك، ربما كان هذا القول صحيحًا إلى حد ما، لو أننا نظرنا إلى الربيع العربي نظرة أحادية وسطحية، فمنظومة الاستبداد المسيطرة على بلادنا منذ قرون طويلة شريكة النظام العالمي المافياوي، أنهكت المجتمعات والشعوب العربية طويلاً، حتى إذا جاءها جراك تغييري لن تستطيع إكماله والسير به وبالأوطان نحو الأمان، ستكون النتائج على ماهي عليه الآن؛ إذ لا معارضات منظمة ولا يوجد إحساس أصلاً بالمواطنة لدى هذه الشعوب التي تعاني فقدانًا كاملاً لحقوقها فلا تجد غير هوياتها ما قبل الوطنية تحتمي بها، وهي هويات عمومًا مفرقة لا جامعة، وهو ما حصل بعد 2011 وساعد الأنظمة في قهر الثورات وتمييعها وتحويلها إلى حراك رجعي مفتت، مكنت الأنظمة من استعادة سيطرتها وإكمال مسيرتها السابقة بعنف وتسلط وفساد أشد، غير أنه علينا أن نظرة عميقة إلى التاريخ البشري وحركاته التحررية والثورية تجعلنا نرى أنه ما من حركة لشعب ما تنتهي تمامًا، تكمن قليلاً وتصمت ليشتد الاستبداد والظلم ثم تنفجر ثانية بشكل أشد عنفًا، وتمر بمراحل عديدة قبل أن يتحقق تغيير آمل وكامل، راقبوا فقط كل ما يحدث في بلادنا العربية، فالانتحار الفردي والجماعي وحرق النفس والموت العلني كلها تندرج ضمن احتجاج الشعوب على أوضاعها، ستزداد حتمًا، لكنها ذات يوم ستصبح غضبًا جماعيًا عارمًا سيحرق الأخضر واليابس في هذه البلاد البائسة.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران