كتاب وأراء

«الشافيزية» في مهب الريح

كون فنزويلا أهم الدول المنتجة والمصدرة للنفط في العالم، فإن ذلك اختزل المسافة بين منطقتنا وبينها، فمنطقتنا العربية المعنية بقدر كبير بسوق النفط في العالم واقتصادياته المتغيرة لا تغفل أهمية فنزويلا في هذا الصدد، فالعقوبات الأميركية على إيران جعلت بعض المستوردين يتوجهون إلى بديل النفط الفنزويلي، ولكن الأحداث الساخنة في هذا البلد جعلت هؤلاء المستوردين يبحثون عن مصادر أخرى لحاجاتهم الطاقوية، فضلاً عن أن بعض العرب يحسبون لفنزويلا تأييدها لقضايا عربية، وبخاصة القضية الفلسطينية، كما أن الانقسام الداخلي في هذا البلد واحتمالات وقوع حرب أهلية فيه أضاف بعداً دراماتيكياً مثيراً، فكل ذلك وغيره شد الأنظار إلى هذا البلد في أميركا اللاتينية متابعةً وبحثاً لمآلات الأزمة فيه، ومن ثم فإن كل هذه المعطيات وغيرها جعلت الأحداث في فنزويلا ذات صلة بمنطقتنا وما يدور فيها.
وثمة من يزعم أن انفجار الأزمة في فنزويلا وحدوث شرخ كبير في واجهة السلطة بين يسار له جذوره في هذا البلد ويمثله الرئيس مادورو الرئيس الشرعي المنتخب ووريث الحركة التشافيزية والرجل الذي يؤيده الجيش الفنزويلي، ويمين يبحث عن فرصه في قيادة هذا البلد المهم ويمثله الرئيس غوايدو الذي تسانده بقوة الولايات المتحدة الأميركية و19 دولة من الاتحاد الأوروبي إضافة إلى 21 دولة أخرى حول العالم سببه الرئيس هو سعي الولايات المتحدة وبعض دول الاتحاد الأوروبي إلى تأمين مصدر ورافد نفطي غزير يكون بديلاً في وقت أزمات قادمة، أما أن هذه الأزمات سوف تعترض طرق ومسارات التصدير الكلاسيكية، وأما أنها سوف تؤثر على الإنتاج النفطي في دول ترفد السوق الدولي للنفط بمنتجاتها، وأن الولايات المتحدة لم تكتف برفع إنتاجها النفطي ليغطي احتياجاتها ويحقق لها الاكتفاء الذاتي، بل ويفيض عنها ما يمكن تصديره، ولكن الولايات المتحدة تسعى كذلك إلى تأمين رافد نفطي كبير يقع في حديقتها الخلفية ومن يسوقون هذا التفسير لتفجير الأزمة الفانزويلية على هذا النحو يقولون: «فتش عن النفط في مثل هذه الأزمات»، لتعرف الأسباب وليمكنك كذلك التنبؤ ببعض المآلات.
وثمة من يزعم كذلك أن الأزمة الحالية في فنزويلا هي تطور طبيعي للأحداث في العالم، وتحديداً انهيار الدول اليسارية وعدم قابليتها لمناطحة الزمن ومتغيراته، فاليسار الاشتراكي ونظمه الشمولية يتساقط، وليس من المنطقي أن تبقى فلوله ولا ذيوله بعد انهيار وسقوط أصوله، وأنه أيضاً ليس من المنطقي أن يغض الطرف عن نظام يساري ليتحكم في ثروة نفطية هائلة في إنتاجها واحتياطياتها، ففقر الفكر الاقتصادي في إدارة والاستثمار في هذه الثروة لا يمكن أن يكون لا في صالح الشعب الفنزويلي، ولا في صالح العالم الحر الرأسمالي، ولهذا كان لابد من السعي لإسقاط نظام ورث الشافيزية وينهج نهجها.
غير أن هناك من يقول أيضاً إن إرسال روسيا القاذفات الإستراتيجية من طراز «تو-160» إلى فنزويلا، ولتحط في مطارات فنزويلية، ولتطير أيضاً مع السوخوي الفنزويلية، أشعل غضب واشنطن من الدأب الروسي المقلق في البحث عن موطئ قدم في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأميركية، وتكوين مجموعة من الحلفاء اللاتنيين يكونون شوكة في ظهر الولايات المتحدة، ومقابلة نشر صواريخ أمريكية في أوروبا وتوسيع نطاق الناتو بضم حلفاء جدد يتاخمون روسيا بنشر صواريخ روسية في أميركا اللاتينية، وهو ما دق نقوس خطر، وعجل بتفجير الأزمة الفنزويلية على هذا النحو الدراماتيكي.
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي