كتاب وأراء

لبنان وسط التجاذبات تغليب المصلحة الوطنية أولوية«1-2»

شكلت زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى بيروت لتقديم التهنئة بتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، وعرض خلالها استعداد إيران تقديم المساعدة للبنان في المجالات التي يحتاج إليها لحل أزماته المزمنة في العديد من القطاعات الاقتصادية والخدماتية…
يأتي هذا العرض الإيراني العملي المتجدّد، في وقت بات لبنان بأمسّ الحاجة إلى المساعدة لإيجاد حلول عملية للأزمات التي يعاني منه والتي تترافق مع تفاقم أزمة تزايد الدين العام والعجز في الموازنة… واللافت أنّ هذه المساعدة التي تقدّم من دولة صديقة لا تحمّل لبنان أعباء ديون وفوائد جديدة بات يئنّ منها، فيما القروض التي تعوّل عليها الحكومة اللبنانية للحصول عليها من مؤتمر «سيدر» ستكون مقابل فوائد وشروط تجعل لبنان يقع تحت المزيد من أعباء الديون وخدمتها وستتسبّب تداعياتها، الإصلاحية الاقتصادية والمالية على الصعيد الاجتماعي، بمضاعفة الأزمات الاجتماعية والمعيشية التي يعاني منها اللبنانيون…
لكن يبقى السؤال الكبير المطروح هو: هل ستقبل الحكومة اللبنانية هذا العرض السخي والمتجدّد من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والذي يحتاج إليه لبنان بشدة لأنه يجنّبه المضاعفات السلبية التي ستتولّد مالياً واجتماعياً عن شروط ديون سيدر؟
من الواضح أن الأمر متوقف على مدى استعداد وقدرة الحكومة اللبنانية على أخذ قرار سياسي ينطلق من مصلحة لبنان الأساسية التي تفترض قبول هذه المساعدة الإيرانية السخية وغير المشروطة، ومثل هذا القرار لا شك أنه يتطلب جرأة في تحدي الهيمنة والإملاءات الأميركية التي تقف وراء منع لبنان قبول هذه المساعدة من إيران وغيرها من الدول مثل روسيا التي لا ترضى الولايات المتحدة عن سياساتها… وهذا يعني أنّ من وقف ومازال عقبة أمام إيجاد الحلول للأزمات الاقتصادية والخدماتية التي يعاني منها لبنان إنما هو الارتهان للشروط والإملاءات الأميركية من قبل بعض أطراف الطبقة السياسية التي تصرّ على مواصلة سياسة ربط لبنان بعجلة التبعية السياسية والاقتصادية والمالية للولايات المتحدة، وحصل ذلك ويحصل على الرغم من النتائج الكارثية لقبول الخضوع لهذه الإملاءات… في حين أنّ واشنطن لا تقدّم البديل لحلّ هذه الأزمات بل إنها تمعن في سياسة الضغوط التي تسهم في إغراق لبنان في المزيد من الأزمات لإبقائه في مستنقع الارتهان لسياساتها، وما العقوبات المالية المفروضة على لبنان، لمحاصرة المقاومة وبيئتها خدمة لكيان العدو الصهيوني، إلا دليلاً ساطعاً على ذلك..
في هذا الإطار يندرج الفيتو الأميركي المتواصل الذي يمنع حصول الجيش اللبناني على أيّ سلاح نوعي يمكنه من التصدي للاعتداءات والانتهاكات الصهيونية على سيادة لبنان وتحرير ما تبقى من أراضيه المحتلة وحماية ثرواته النفطية والمائية من أطماع كيان العدو الصهيوني…
إنّ عنوان قبول لبنان عرض المساعدة الإيرانية، أو أيّ مساعدة روسية أو صينية، أو غيرها من الدول التي تبدي استعدادا لتقديم الدعم والمساعدة لحلّ أزماته المزمنة على أكثر من صعيد، إنما يشكل تحدياً كبيراً لأنه سيعني التمرّد، لأول مرة، على الوصاية الأميركية، وإنّ لبنان قرّر سلوك خيار العمل على جعل مصالحه هي الأساس الذي ترسم توجهاته لمعالجة أزماته، وهذا الخيار سيكون خياراً استقلالياً بكلّ ما في الكلمة من معنى، خيار السير في بناء علاقات اقتصادية مع أيّ دولة، مبنية على المصلحة والمنفعة المتبادلة، وتصبّ في تعزيز اقتصاد لبنان الإنتاجي ومعالجة أزماته، مما يؤمّن الاستقرار الاجتماعي ويحصّن البلاد في مواجهة الاحتلال الصهيوني وأطماعه… أما الإصرار على رفض هذه المساعدة، استجابة للإملاءات الأميركية، فإنه سيكون بمثابة مؤشر جديد على أنّ لبنان يخضع لوصاية الولايات المتحدة، وأنّ وجود أطراف في السلطة السياسية ترفض قبول المساعدة لايزال يقف عقبة أمام اتخاذ لبنان قراراً جريئاً يخرجه من عباءة هذه الوصاية والتبعية التي تتسبّب بمفاقمة أزماته… وبالتالي فإنّ المهمة الملحة، التي يجب أن تكون على جدول أعمال النضال الوطني، هي العمل لإيجاد موازين قوى لفرض تحرير لبنان من هذه الوصاية والتبعية، لأنه من دون ذلك لن يتمكن لبنان من الخروج من أزماته الاقتصادية والمالية والخدماتية والاجتماعية، والتي هي نتاج نهج السياسات النيوليبرالية الريعية الذي ساد في لبنان على مدى ربع قرن الماضي، وأدّى أيضاً إلى تعميق تبعية لبنان للنظام الرأسمالي الغربي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وجعله خاضعاً للوصاية والإملاءات الأميركية…
بقلم: حسين عطوي

حسين عطوي