كتاب وأراء

تهورت .. فتدهورت !

تهورت .. فتدهورت !

‏‫‬يفترض وحسب المعايير الموجودة على الأرض أن تكون السعودية ذات ثقل سياسي وتأثير في المنطقة نظراً لموقعها الجغرافي ومكانتها الدينية إضافة إلى ثروتها النفطية، فبناءً على هذه المعطيات الجيوسياسية والأدوار الاستراتيجية يتوجب على هذه المملكة التي تصف نفسها بالعظمى في مواقع التواصل الاجتماعي على أنغام الشيلات والعرضات، أن تحقق هذا الأمر فعلياً وليس نظرياً، وتقود الجمع ولا تنقاد.
ولكن في واقع الحال هي لا تشبه هذه الأوصاف، بعد أن قررت في السنوات الثلاث الأخيرة التخلص من ثوابتها، والتملص من قيمها والمضي بسرعة مذهلة بدون مكابح باتجاه العلمنة والفرفشة والمراهقة، برعاية ظبيانية يقودها عراب المؤامرة السفير الفلتة يوسف العتيبة، ويمثله في المملكة المخطوفة مناديبه لشؤون السياسة والترفيه دليم وتوتو وناسة !
وهي بذلك فتحت على نفسها ملفات ملغومة، افتعلت على إثرها الكثير من الأزمات في مختلف المجالات متناسية أن بناءها هش وبيتها من زجاج.. وسهل على المتربصين بها خدشه !
قلنا هذا الكلام مرارا وتكرارا، ولم يكن بسبب الأزمة الخليجية التي لم نفتقد بسببها سوى زيارة المقدسات، والتواصل الأسري والاجتماعي وفي ذلك مخالفة صريحة وبشعة للإنسانية وللشريعة الإسلامية.
أما عدا ذلك فإن مؤشرات قطر في جميع المجالات في صعود وتفوق وتألق.
قلنا ذلك من باب الحرص على هذه الدولة، التي يفترض أنها تقود المنطقة بعد أن لاحظنا أنها تتعرض لعملية اختطاف وتحويل مسار دون مقاومة لتشويه سمعتها وتفريغها من مضمونها وتفكيك عاداتها وتقاليدها، ولم يكن هذا النصح من تأثير الأزمة التي هي في المجمل العام غير مؤثرة.
ولأنهم لم يستمعوا لهذه الأصوات الصادقة من الخارج، بعد ان كمموا أصوات الداخل وأودعوا أصحابها في السجون والمعتقلات والإقامات الجبرية، فها هي اليوم تدخل في دوامة لن تخرج منها بسهولة، وباتت صورتها لدى المجتمع الغربي والدولي قاتمة، خاصة بعد أن وضعتها المفوضية الأوروبية رسمياً ضمن قائمتها لـ «الدول عالية المخاطر»، التي فشلت في مكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال، الأمر الذي ستكون له تداعيات في منتهى الخطورة حيث يمكن أن تؤدي إلى طرد المستثمر الأجنبي، وهي في أمس الحاجة إليه، لتنفيذ «رؤية 2030» التي مازالت وردية على الورق.. وكارثية على الأرض !
واللافت أننا لم نسمع من السعودية «العظمى» كما يصفها عصافير تويتر سوى التعبير عن «الأسف» لهذا القرار، على عكس تغريدة السفارة الكندية التي أدت إلى أزمة دبلوماسية على وقع شيلات علم كندا ومن قبلها علم قطر!
إحدى أهم التهم التي ساقتها دول الحصار لتبرير اعتدائها على سيادة قطر كانت «دعم الإرهاب»، وهي اتهامات لا تستند إلى أي أساس، ذلك أن قطر تُشكل بحق «رأس الحربة» في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وفي رصيدها العديد من الشهادات الدولية الكبرى في هذا المجال، وهي لا تحتاج إلى إشادة في هذا الإطار، باعتبار ذلك من قناعاتها وثوابتها.
وبالأمس سمعنا السيدة نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب بالولايات المتحدة الأميركية، تُقدم الشكر لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، على دور قطر في مكافحة الإرهاب وتمويله، وعلى الجهود التي تقوم بها قاعدة العديد الجوية في هذا المجال.
اليوم تتجرع السعودية من الكأس المر، الذي حاولت أن تُجبر قطر على تجرعه من خلال اتهامات باطلة لا أساس لها من الصحة، وقرار المفوضية الأوروبية يبدو وكأنه مقدمة لتحركات متعددة من جانب هيئات تشريعية دولية، يتسع نطاقها على نحوٍ متزايد لوضع الرياض في موضع التدقيق على نحو أكثر كثافة، مع ما يعنيه ذلك من نتائج في غاية الخطورة على الوضع الاقتصادي ككل.
نحن لا نشمت على أي مكروه يصيب السعودية، على الرغم من كل ما فعلته، ومازالت، للنيل من سيادتنا واستقلالية قرارنا الوطني، والهجمات التي تقودها ضدنا عبر كل وسيلة متاحة لها، وأولها الحصار الجائر، وحرماننا المتعمد من الحج إلى بيت الله الحرام، وقطع الأرحام؛ لأنها ارتضت لنفسها أن تكون مجرد تابع في آخر الصفوف محملة بخطط خبيثة هدفها النيل منها وتفتيتها قبل غيرها إضافة إلى تقسيم المنطقة وشرذمتها.
حرب اليمن
قبل يومين فقط أعلنت جماعة الحوثي أنها كبدت القوات السعودية خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، كما أجبرتها على التراجع في بعض المواقع الحدودية، شرق جحفان في جازان السعودية في عملية أدت إلى «سقوط قتلى وجرحى واغتنام أسلحة».. علماً أن القوات القطرية كانت تدافع ببسالة عن الحدود الجنوبية، قبل أن يصبح قرار الرياض مرهونا عند أبوظبي التي لها أهداف ومصالح ومطامع أخرى غير الدفاع عن الأراضي السعودية، فخسرت المملكة المخطوفة جهود الجيش القطري.. كما خسرت جنودها وجزءا من أراضيها.
صحيفة واشنطن بوست قدرت الخسائر البشرية للمملكة في المناطق الجنوبية بنحو 2500 جندي، و60 ضابط صف ومن الرتب العليا، وأشارت إلى أنه تم تدمير نحو 650 دبابة سعودية، وهذا الاستنزاف المستمر في الحد الجنوبي للسعودية أو في اليمن نفسه، رفع بشكل كبير من موازنة التسلح السعودية وجعلها الزبون الأول عالميا، ولكن دون جدوى طالما أن التخطيط عشوائي والقرار متهور والتخبط سيد الموقف !
حصار قطر
جميعنا نعرف تداعياته، ومع أن قطر تجاوزت آثاره وأجهضت مراميه الخبيثة، بل استفادت منه لتطوير اقتصادها ككل، فلقد أصبحنا أحسن حالا بعد الحصار، فهو كشف طاقاتنا وفجرها وسمح لنا بالاعتماد على الذات لتحقيق الاكتفاء في كل مجال، وما لم نتمكن من تحقيق الاكتفاء فيه، نوعنا مصادره لضمان عدم التأثر بأي هزات، فكان أن حققنا إنجازات كبيرة لم تكن لتتحقق لولا الحصار، في التعليم والصحة والاقتصاد، وجذب الاستثمارات وصناعة الغذاء والزراعة والسياحة، دون أن ننسى السياسة التي حققنا فيها الكثير من المكاسب المهمة جدا، ومنها الشراكات التي أسفرت عن اتفاقيات للحوار الاستراتيجي كان آخرها مع الجمهورية الفرنسية، وبطبيعة الحال لو لم يكن ملف قطر في السياسة والاقتصاد ومكافحة الإرهاب ناصعا ما كنا استطعنا إبرام كل هذه الاتفاقيات، في حين تضيق الدائرة على دول الحصار المتهمة بالإرهاب والفساد وتبديد الأموال ومحاسبة الناس خارج القضاء والاعتقالات التعسفية وممارسة القمع والتنكيل والتعذيب.
اليوم يشيد العالم بأسره بسياسات قطر خاصة على صعيد مكافحة الإرهاب، بينما تواجه السعودية اتهامات جديدة تضاف إلى سجلها فيما يتعلق بدعم الإرهاب والتطرف، ومن ذلك اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر التي نفذها «19» شخصا من أربع دول عربية، هي السعودية ومصر والإمارات ولبنان. ومن بين المنفذين 15 سعوديا، دون أن ننسى الدور الذي لعبته مصارف وبنوك إماراتية في تمويل الإرهاب وغسيل الأموال.
اغتيال خاشقجي
لقد كانت هذه العملية كـ «عنوان للبلطجة السعودية والمراهقة السياسية» وسببا رئيسيا للمأزق الذي تعيشه اليوم على الصعيدين الحقوقي والاقتصادي، مما أدى إلى خسائر مادية جسيمة، وسوف يترك تداعيات في غاية الخطورة على مستقبلها المجهول.
الدور المشبوه
لإمارة الشر
عندما نتحدث عن هذه الفخاخ الثلاثة لابد من التوقف مليا عند الدور الإماراتي فيها، وفي جريمة خاشقجي تابعنا ما ذكره موقع «تركيا الآن» من أن ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد مول فريقاً كانت مهمته تنظيف ومسح الأدلة والدلائل المتعلقة بجريمة اغتيال خاشقجي، مطلع أكتوبر الماضي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، بإشراف القيادي المفصول من حركة «فتح» محمد دحلان.
في حرب اليمن يبدو دور الإمارات رئيسيا، فهي أرادت «ضرب عصفورين بحجر واحد»، تدمير اليمن وإضعاف السعودية إلى الدرجة التي يمكن أن تسمح بتفتيتها لاحقا، وكانت الإمارات قد تآمرت قبل ذلك على سلطنة عمان، عبر زراعة شبكة تجسس بهدف زعزعة الاستقرار والاطلاع على معلومات حساسة لكن الحس الأمني العماني أحبطها في وقتها.
وفي حصار قطر يبدو الدور الإماراتي الخسيس واضحاً في هذه الأزمة المفتعلة، وباختصار فإن كل ما تسعى إليه أبوظبي هو تأزيم المنطقة عبر التآمر على دول الجوار، أو محاصرتها لسلب سيادتها وحرية قرارها؛ لتمرير أجنداتها، ومن الواضح أن الذين خططوا لحرب اليمن فعلوا ذلك بطريقة تستهدف إغراق السعودية في مستنقع لاتخرج منه أبدا، والذين خططوا لاغتيال خاشقجي فعلوا ذلك بطريقة هدفها النيل من سمعتها المهزوزة أصلاً، عبر عملية تتسم بغباء منقطع النظير لهدف خبيث.
في كل ذلك تبدو السعودية مستسلمة ومنقادة ومنبطحة تماما لمخططات أبو ظبي، منذ أن أعلن سفير الإمارات في واشنطن (2017) في مقابلة على قناة «بي بي إس» (PBS) الأميركية، ونشرت السفارة الإماراتية في أميركا مقاطع منها، أن ما تريده الإمارات والسعودية والأردن ومصر والبحرين للشرق الأوسط بعد عشر سنوات، هو حكومات علمانية مستقرة ومزدهرة.
لم يمض الكثير من الوقت حتى بدأ المخطط الإماراتي يتبلور، عبر اعتقال رجال دين ومفكرين وأعضاء في الأسرة المالكة، وإنشاء هيئة للترفيه تتعارض رؤيتها كليا مع مكانة المملكة الدينية وعاداتها وقيمها، ووضع تركي آل الشيخ على رأسها، وهو المنفلت والمنسحل من القيم والعادات، والذي لا يتعدى تفكيره الأغاني والرقص والبيلوت ومصارعة الثيران، مع مجموعة من مستشاري الهياط والتفحيط السياسي بقيادة سعود القحطاني المتهم في أغبى قضية اغتيال عرفها العالم، وكل ذلك الهرج والمرج من أجل الوصول إلى مملكة علمانية تتخلى عن دورها التاريخي، وتقود عملية تطبيع مشبوهة مع إسرائيل دون أن تبقي للوجود الفلسطيني أي حل مقبول لهذا الصراع.
آخر نقطة..
السعودية لعبت بالنار، ونسيت أنها فريسة مناسبة للابتزاز نظير حضورها في سجل تمويل الإرهاب وغسيل الأموال، وفتحت على نفسها أبواب مغلقة وحركت قوانين معلّقة لتنهال عليها ألسنة اللهب.. تكتوي بنيرانها.. بعد أن خططت لإيذاء جيرانها.. تركها الجميع اليوم تواجه مصيرها.. فلا أحد يدافع عنها.. بما فيهم حلفاؤها..
وفشل «الكوتش» الذي يخطط للمملكة
ونجح فقط في إيصالها إلى التهلكة !

محمد المري