كتاب وأراء

عالمنا الأزرق الافتراضي البديل العربي للهجرة والحصار والخيبات

يتداول رواد الفيسبوك هذه الأيام حادثة تشبه الطرفة عن شاب نزل إلى شارع مزدحم ليلتقي بالناس الذين لا يعرفهم ويعرض لهم صور عائلته وأصدقائه، ويحكي لهم ماذا أكل بالأمس وما هي أحلام الليلة الماضية وما هي خططه للمستقبل، ويخبرهم بآرائه السياسية والاجتماعية، أي باختصار فعل معهم كل ما نفعله عادة على صفحاتنا الشخصية على الفيسبوك، تنتهي القصة بأن يقول الراوي إنه في نهاية اليوم حصل الشاب المعني على ثلاثة متابعين: رجل شرطة وطبيبين نفسيين.
تعبر هذه الحادثة تماما عن العالم الافتراضي الأزرق الذي بات يشكل للغالبية منا عالما بديلا عن العالم الواقعي، خصوصا لنا نحن العرب، وبالتحديد لشعوب مجتمعات الربيع العربي، التي وجدت نفسها إما محاصرة أو مهجرة أو هاربة أو لاجئة، حيث تقطعت بينها أواصر اللقاء والتواصل الواقعي، بعد أن تشردت في كل دول العالم، ولم تسلم عائلة واحدة من هذا المصير، (عائلتي مثلا تتألف من ستة أفراد فقط، كل فرد منا في بلد يمنع على الآخرين دخوله إلا بقدرة قادر أحد)، يضاف إلى ذلك حصول ما يشبه القطيعة بين الشعوب اللاجئة والمجتمعات التي لجأت إليها، بسبب الظروف النفسية التي يعانيها اللاجئ الهارب من الموت والعنف، وبسبب الاختلاف الثقافي المريع، لاسيما في بلدان اللجوء الاوروبية والاميركية، وبسبب عدم القدرة على الاندماج بوجود حاجز اللغة الذي يشكل منفى نفسيا آخر مضافا إلى المنفى المكاني والزمني، وأيضا بسبب الإحساس المهول باليأس واللاجدوى إثر سقوط أحلام التغيير وفقدان الوطن والأمان، والمحاولات الحثيثة لبناء حياة جديدة وذاكرة جديدة في عالم جديد كليا، والمقاومة النفسية التي تحدث أثناء ذلك، مقاومة استبدال الوطن والانتماء والهوية، التي تنشأ من شعور كبير بالذنب، مصدره الاحساس بالتخلي وخذلان الوطن ومسقط الرأس والعلاقات والصداقات، وهو شعور يعرفه غالبية اللاجئين والمنفيين من العرب وشعوب العالم الثالث الذين خرجوا من بلادهم، قديما وحديثا، لأسباب سياسية وأمنية.
هذه الانقلابات الفردية والجمعية، جعلت من عالم الفيسبوك، مساحة مفتوحة للتواصل اليومي، بديلا كاملا عن العالم الواقعي، يعيش معظمنا وحيدا في مكانه الحالي، نادرا ما يتكلم مع أحد، قالت لي صديقة تعيش في ريف أوروبي بعيد كانت تعمل مدرسة ثانوي في سوريا: «أحيانا أشعر أنني نسيت الكلام، لم أعد أعرف كيف أتحدث مع الآخرين، أشعر بالتلعثم حين أكون في حضرة الناس»! حال صديقتي يشبه حال كثر جدا منا، لهذا نحاول أن نثبت لأنفسنا أولا أننا مازلنا نحتفظ بمقدراتنا الإنسانية، أولها القدرة على التواصل مع الآخرين، الفيسبوك هو وسيلة مهمة لنا للحفاظ على ذلك، نكتب كل ما نفكر به، وكأننا نجلس مع آخرين نتسامر ونتحادث ونتناقش ونختلف ونغضب ونثور ونبكي ونضحك ونعجب ونكره ونبارك ونعزي ونفخر ونتشاوف ونتمايز، ولا نهتم حقا مع من نفعل كل ذلك، ومن هم المتلقون لأفعالنا هذه، قد نعرف البعض معرفة شخصية، ولكن،حتما، من نجهلهم أكثر بكثير ممن نعرفهم، ومع ذلك لا يهمنا، ولا نخاف من الانكشاف أمامهم، ولا نخجل من ضعفنا ودمعنا وخوفنا، لا نخجل من مشاعر الحب والكراهية والحقد، لا نخجل من شيء يخصنا في هذا العالم الافتراضي الغريب، الذي نتنقل فيه بين شاشات اللاب توب والهواتف الذكية، ونحن نعطي للآخرين المجهولين والمعلومين حق الاطلاع على تفاصيل حياتنا من شاشات مشابهة، بينما نغلق أبواب ونوافذ منازلنا حفاظا على خصوصية حياتنا، ونضع كلمات سر على أجهزتنا كي لا يتاح لأحد الاطلاع على ما نكتب، مع أن ما نفعله نعرضه في عالمنا الافتراضي دون تردد! هل هذا نوع من أنواع الفصام الذي أصيب العالم به بعد اختراع وسائل التواصل؟! يقينا أنه ثمة فصام بتنا نعاني منه جميعا، فما نعانيه نحن العرب يفقد العقل كليا، نحن على الأقل ما زلنا نحتفظ بقليل من الوعي يمكننا من فهم هذا التناقض والحديث عنه وربما السخرية منه على طريقة الشاب الذي أراد أن ينقل العالم الافتراضي إلى الواقع، لحسن الحظ أن أصدقاءنا من الأطباء النفسيين موجودون معنا في هذا العالم، يتابعوننا بحب، بينما ملاحقة رجال الشرطة في هذا العالم، فهي مرهونة بقدرة الأنظمة العربية على المراقبة !
بقلم: رشا عمران

رشا عمران