كتاب وأراء

برنامج الفن العام لمتاحف قطر

بقـــلم :
ريم العبيدلي
تشكيلية قطرية
سعادة غامرة انتابتني وشعور بالفخر والعز والطمأنينة حول مستقبل بلادي قطر، وتيقنت أننا نسير بخطى ثابتة في الطريق الصحيح، وذلك عندما شاهدت في سوق واقف آخر منجزات متاحف قطر ببرنامج الفن العام، حيث تم وضع أحد الأعمال الإبداعية المميزة للفنان العالمي سيزار بالداتشيني أمام زوار سوق واقف بالدوحة وهو الأمر الذي استرعى انتباهي كفنانة قطرية.. لما لا وأنا أشاهد منحوتة الإبهام التي تميز ميدان اللاديڤانس بالعاصمة الفرنسية باريس والمعروفة عالميا باسم (اصبع سيزار) وهي تزين واحدا من أهم مقاصدنا السياحية.
هذه القطعة بالتحديد كنت شاهدتها منذ طفولتي وما يقرب من 25 عاما في العاصمة الفرنسية باريس ولفتت أنظاري كثيرا لدرجة أنني كنت أذهب إلى ذلك الميدان لمشاهدتها بشكل أكثر تمعنا وإذا بي أجدها متاحة أمام ناظري وفي بلدي، وما زاد من فخري وعزي بهذا الإنجاز ودعاني للكتابة عنه هو توقيت الكشف عن هذه القطعة حيث تم الكشف عنها في إطار الاحتفاء بأكبر انتصار رياضي في تاريخ الرياضة القطرية، وهو فوز المنتخب القطري بكأس آسيا 2019.
ولمن لم يحالفه الحظ حتى الآن برؤية منحوتة سيزار الأصلية في باريس فأنا أدعوه لمشاهدة النسخة الأجمل من وجهة نظري والأكثر بريقا وإشعاعا والموجودة بسوق واقف، حيث تأخذ المنحوتة شكل إصبع إبهام عملاق، وهي واحدة من أشهر أعمال الفنان التي تعبر عن ميوله لإبداع أعمال فنية أكبر في حجمها من معالم البيئة المحيطة.
وقد وُفِقَ القائمون على متاحف قطر في اختيار مكان المنحوتة حيث يبرز الجماليات والخصائص الفريدة التي يتمتع به السوق من روح تمزج بين الأصالة والحداثة باعتباره من أهم المعالم التراثية في قلب المدينة.
وتتميز منحوتة البرونز بتناغم لونها اللامع مع وهج إضاءة الشوارع في سوق واقف ليلًا، بينما تُعلن في النهار عن حضورها القوي، إذ يمكن رؤيتها من زوايا عديدة، وتمثل محطة جديدة من محطات الفن العام في قطر الذي تتنوع ساحاته في البلاد، هذا ويحتل العمل الفنيّ موقعًا مثاليًا في الساحة المقابلة لمركز الشرطة، وهو الموقع الذي يُسهم في إبراز حجم المنحوتة مقارنة بالمباني المحيطة.
وصُمِمَت النسخة الأولى من هذه المنحوتة لصالح معرض أقيم في باريس بعنوان «الأيادي» في عام 1965، ثم قام الفنان بعد ذلك بتصميم عدد من النسخ أكبر حجمًا من خلال زيادة حجم النموذج الصغير باستخدام تقنيات تقليدية، ومنذ ذلك الحين، أصبح الإبهام أكثر الأشكال الفنية التي يركز عليها الفنان في موضوعاته.
وقد ولد سيزار بالداتشيني (1921-1998) لأبوين إيطاليين في مرسيليا بفرنسا، وكان من أبرز الشخصيات في الحركة الفنية الفرنسية «الواقعية الجديدة»، التي اتخذت من استخدام المواد اليومية مصدر إلهام لها بدلًا من مواد الفن التقليدية.
بدأ بالداتشيني حياته بإنتاج أعمال من قطع الحديد الملحومة، وفي مطلع الستينيات بدأ في صناعة منحوتات من قطع معدنية مسحوقة بالماكينات، وبعد عام 1965، بدأ سيزار العمل على سلسلة فنية عُرِفت باسم «التوسعات» تعامل فيها مع مواد مثل الألياف الزجاجية وراتنج البولي أستر.
حقيقة لقد استرعى انتباهي الجهود الحثيثة المبذولة في برنامج الفن العام حيث تولي سعادة الشيخة المياسة رئيس مجلس أمناء متاحف قطر اهتماما خاصا بالفنون العامة، فهي تحرص على أن تقع أنظارنا دائما على كل ما هو جميل، وشيئا فشيئا يعتاد المجتمع على رؤية الجمال ونبذ القبح، ويعتاد على فصل الجيد عن الرديء، وترتفع الذائقة الفنية لكل من يسكن على هذه الأرض الطيبة وهو بعد تنموي وفلسفي ذو نظرة مستقبلية ورؤية ثاقبة بعيدة المدى، ولا نملك إلا تقديم وافر الشكر وعظيم التحية لهذه الجهود المبذولة.
والمتأمل لحالة الحراك الفني التي شهدتها البلاد مؤخرا يدرك جيدا أن هناك أهدافا ورؤى تتحقق على أرض الواقع وأن دولة قطر أصبحت عاصمة للثقافة والفنون وأنها تمتلك إرثاً فنياً قلما تتحصل عليه دولة أخرى، وبات لدينا أعمال إبداعية لمشاهير الفن حول العالم تزين شوارعنا ومياديننا ومستشفياتنا ومطاراتنا لهذه الأسباب وأكثر شعرت بالسعادة والفخر عندما شاهدت منحوتة الإبهام تزين سوق واقف.. فشكراً متاحف قطر وشكراً بلادي الحبيبة.Reemalobidaly@hotmail.com

ريم العبيدلي