كتاب وأراء

كــثــيــراً مــا نــقـــرأ

} وجدت في إحدى المقالات «إن هذا درب من دروب الخيال» وأدركت أن الكاتب خانته ذاكرته، فهذا التعبير متداول كثيراً ولكنه «ضرب من ضروب الخيال» ويبدو أن الكاتب رأى أن «دروب الخيال» أجمل وأقرب إلى تصوره من «ضروب الخيال»، وكأن للخيال دروباً تقود إليه، أو نسير فيها، وسأشرح بعد قليل أصل هذه الكلمة.
وتذكرت أن فعل «ضرب» أول فعل نعلمه لأطفالنا «ضرب زيدٌ عمْراً» ولطالما تساءلت: لماذا نبدأ تعليم أطفالنا النحو بفعل عنيف هو فعل الضرب؟ ضرب يضرب (بكسر الراء وضمّها) لمَ لا نعلمهم «رسم زيدٌ لوحة»؟ رسم يرسِم، أو «سجد زيد سجدة»؟ وما داموا يبدؤون بالضرب، لم لا تكون الأفعال التي تلي: طعن، قتل، نحر، ذبح، قطع، صرع، لكـَم، نسَف، وهكذا.
نعود إلى فعل «ضرب» ومن الكلمات المشتقة منه «ضريبة» وجمعها ضرائب، وقد تنوعت في العصور الحديثة مثل ضريبة الدخل، ولكنها موجودة بهذا المعنى منذ نشأة اللغة، ولكن «ضريبة السيف» حدُّه، والضريبة: الصوف أو القطن أو الشعر يُنفش ثم يُدرج ثم يُشد بخيط ليغزل، والضريبة: القطعة من القطن، والضريبة: الرجل المضروب بالسيف. ونعرف «الإضراب» ونقرأ أو نسمع كثيراً «أضرب العمال اليوم» وهذا فصيح، أضرب عنه: أعرض، وأضرب عن الأمر: أعرض وكفّ. ونعرف المِضرب (بكسر الميم) وهو كل ما ضرب به، واستعمالها الآن صحيح: مضرب التنس، مضرب كرة الطاولة، وهكذا.
أما «الضرْب» فهو مصدر فعل ضرب، ولكنه أيضاً المثل والشبيه، فتقول: عندي من هذا الضرب، أو: هذه الأشياء على ضرب واحد، والجمع ضروب، ومن هذا أتى التعبير: ضرب من ضروب الخيال.
} وكثيراً ما نقرأ في لغة الأدب «وكان مكفهر الوجه منتفخ الأوداج» ونفهم من السياق أنه كان غاضباً، و«مكـْفهِرّ» أصلها من الطبيعة، فالمكفهر من السِحاب: الذي يغلـُظ ويسودّ ويركب بعضه بعضاَ، وقيل هو العُبوس، وفي الحديث الشريف «القوا المخالفين بوحه مكفهر» أي عابس قـَطوب، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا لقيت الكافر فالقه بوجه مكفهر، أي بوجه منقبض كالح لا يرى فيه أثر بِشر ولا فرح.
أما «منتفخ الأوداج» فالأصح القول: منتفخ الودجين، لأن للإنسان «ودجين» كما نقول: دامع العينين، ولا نقول: دامع العيون أو الأعين،لأن للإنسان عينين فقط. والودجان (بفتح الدال وسكونها) عرقان غليظان عريضان عن يمين ثغرة النحر ويسارها، وفي الحديث الشريف عن الشهداء «أوداجهم تشخب دماً» وقيل: الأوداج هي ما أحاط بالعنق من العروق ويذبحها الذابح.
} اللغة العربية لغة الحركات ما بين كسر وضم وفتح وسكون، إذ يتغير معنى الكلمة بتغير الحركة فوق الحرف أو تحته، ولنأخذ الجذر «جد».
للجد (بفتح الجيم) معان كثيرة، فهو أولاً أبو الأب أو أبو الأم، والجمع أجداد وجدود، وهو ثانياً الحظ والبخْت، وهو ثالثاً العظمة، قال تعالى «وأنه – تعالى جدّ ربنا – ما اتخذ صاحبة ولا ولداً» (3 سورة الجن) وفي حديث الدعاء «تبارك اسمُك وتعالى جدُّك» أي علا جلالك، والجد: عكس الهزل. وجدَّ فلان جدّاً: عظم، وجدّ الشيء وجدده بمعنى قطعه، لكننا نستخدم الآن فعل «جدد» بمعنى جعله جديدا. ورجل جُدّ (بضم الجيم) أي عظيم الجَد، أي محظوظ جداً، وبالمناسبة نقول الجديد بمعنى عكس القديم، ولكن الجديد تعني أيضاً المحظوظ، ونضيف «جُدّ» إلى النهر فتعني ضفته وشاطئه، ومثلها جدة النهر(بكسر الجيم وضمها) ومنه اشتق اسم «جُدّة» ولكن اللفظ نفسه «الجدة» يعني الطريقة، والجد (بضم الجيم) أحد أسماء البئر وهي التي تكون في موضع كثير الكلأ، وتعني أيضاً الماء القليل، وبالمناسبة أيضاً نجد كلمة «الجادة» التي نستعملها الآن استعمالاً صحيحاً، وسميت جادة الطريق بهذا الاسم لأنها خُطة مستقيمة، وجد كل شيء (بضم الجيم) جانبه.
} من الكلمات الشائعة جداً في لغة الأخبار والسياسة والفن كلمة «متفرج والجمع متفرجون» فنقرأ أو نسمع متحدثاً رسمياً يقول «إن بلادي لن تقف موقف المتفرج» ونقرأ في أخبار الفن «تجاوز عدد المتفرجين الآلاف» وأيضاً «من حق المتفرج على الفنان أن يمتعه بعمله» ونقرأ أيضاً في أخبار الفن «الفرجة المسرحية» هذه الكلمات وكثير غيرها مشتقة كلها من جذر واحد «فرج» بالراء المخففة والمشددة، وفعل «تفرج» (ومنه متفرج ومتفرجون) فعل حديث بهذا المعنى، بينما بقية المشتقات قديمة، ولها معانٍ أخرى.
الأصل كما قلنا فعل «فرج» (الراء مخففة ومشددة): الكشف، نقول: فرج الله غمّك (وفرّجه) أي كشفه وأزاله، ومنه الدعاء: اللهم فرِّج همّي، والفرجة (بضم الفاء) انكشاف الغم والهم، وقد صارت حديثاً تعني المشاهدة مع الاستمتاع، والاشتقاق جيد، ونقول: فرجة الباب، إذا انفتح قليلاً، ونقول الآن «فرّوج» وهي كلمة صحيحة وتعني ما نقصده: صغير الدجاج، ونقول الآن: أفرج عنه، إذا أطلق سراحه، وقد تستعمل الكلمة في أمور معنوية كما نقول: أفرج عن الوثائق، إذا أظهرها، وهنا أيضاً الاشتقاق جيد، لأن الأصل: أفرجوا عن المكان: إذا أهملوه وتركوه
} وكثيراً ما نقرأ ونسمع كلمتي «الجمهور والجماهير» فنقرأ أو نسمع: جمهور المسرح، ويقول فنان أو فنانة: أحيي جمهوري، وجماهير كرة القدم في الملعب، وتجمهر الناس، وفي أنظمة الحكم نظام جمهوري.
الأصل فعل «جمهر» تقول: جمهرت له (أوعليه) الخبرإذا أخبرته بجزء منه وتركت الباقي، لأنني لا أريد إطلاعه عليه، وجمهر القبر: إذا جمع عليه التراب ولم يطيّنه، وجمهر التراب: جمع بعضه فوق بعض، وجمهرت الناس إذا جمعتهم، ومن هنا «الجمهور» الرمل الكثير المتراكم، أليس الجمهور الناس الكثيرين المتجمعين؟ جمهور كل شيء معظمه. و«الجماهير» ليست جمع جمهور، بل جماهير القوم أشرافهم، والجمهوري هو العصير المطبوخ الحلال، وقد سمي بهذا لأن جمهور الناس يستعملونه، ونقرأ في كتب التراث: وقد اتفق الجمهور: ويعنون جمهور العلماء، وهذا صحيح، لأن جمهور الناس جلـُّهم.
} لم يستطع العرب الاتفاق على ترجمة لكثير من المصطلحات وأسماء الأشياء الجديدة، ولم تقم مجامع اللغة العربية بواجبها في هذا الميدان. لنأخذ الـ Mobile قالوا إنه الجوال، والمحمول، والنقال، والخلوي والخليوي، بينما فضل بعض العرب استخدام الكلمة الأصلية الإنجليزية أو الفرنسية. لا وجود لحرف G في اللغة العربية (كما ننطق الجيم المصرية) واختلف العرب في الحرف المقابل له، في مصر ينطقون «الجيم» معطـّشة كما نعرفها، ولذلك كان سهلاً عليهم كتابة وقراءة الإنجليزية، وجول (هدف ومرمى) وجولد (ذهب) وهكذا، وتبعهم في هذا كثير من العرب، أما في سورية فاستعملوا حرف «الغين» ولذلك كتبوا: سباغيتي (ٍ(Spaghetti وغولد (ذهب) وغول (جول) وغلاديس (اسم فتاة), في العراق كتبوا الحرف G على شكل الحرف ك ووضعوا فوقه هذه العلامة «/» بينما ينطق البدو وأهل الصعيد وبعض العرب «القاف» جيماً معطشة، فتجد «قـَلف» ((Gulf. أين أنتم يا مجامع اللغة؟

نزار عابدين