كتاب وأراء

العدالة مجرد تهويدة لنوم الضحايا

من نافل القول أنه لا سلام كاملا ومستداما يمكنه أن يتحقق ويعم الأرض دون تحقيق عدالة كاملة، والعدالة هنا تعني تقديم كل مجرمي الحروب إلى محاكمات علنية ومدنية، يكفلها قضاء مستقل ونزيه، يسعى إلى تكريس قيمة العدالة لا قيمة الانتقام، ورغم أن أمرا كهذا يبدو أشبه بالمستحيل في كوكبنا البشري، إذ من النادر أن حصلت محاكمات على هذه الشاكلة، فمجرمو الحروب في العالم إما نجوا بأفعالهم، أو قتلوا بطرق شنيعة، أو انتحروا، أو تابعوا حيواتهم وكأنهم لم يفعلوا شيئا.
حتى إن بعض مجرمي الحروب من رؤساء ومسؤولين مطلوبون للمحكمة الدولية ومع ذلك يتنقلون بين الدول، ويتم استقبالهم رسميا من قبل الرؤساء والزعماء، وكأن لا أحكام دولية صدرت بحقهم، ولا طلبات من محكمة العدل الدولية باعتقالهم، مما يجعل العدالة المرجوة تبدو كما لو أنها حلم من أحلام الضحايا، أو ترنيمة يهدهدون بها نوم الموتى الذين قتلتهم الحروب.
والحديث عن المجرمين الدوليين ومجرمي الحروب، لا يعني فقط من تسبب بحرب ما، ولا من أعطى أوامر القتل، ولا من نفذ الأوامر، ولا من تسبب بإبادات جماعية، الحديث عن المجرمين هنا يفترض أن يشمل أيضا تجار السلاح بكل أنواعه، ومافياته المنتشرين في كل العالم، صناع السلاح أيضا، الذين يصنعونه ويصدرونه إلى دول تصلح لأن تكون بؤرا للحروب المحلية والدولية، الحديث عن المجرمين أيضا يجب أن يشمل كل من يغذي الحروب المحلية والأهلية بالفتن والكراهية وتعزيز الهويات المذهبية، وكل من يسهل فعل ذلك سواء بالتمويل أو بغض البصر عما يحدث أو بالتجييش والحشد المذهبي والقومي، أو بتكريس الاصطفاف السياسي والمذهبي والاجتماعي الذي يمكن أن يؤدي إلى القتل والقتل المضاد. الحديث عن الإجرام الدولي موضوع طويل ولا يكاد يستثني أحدا، لا دولة ولا زعيما ولا حزبا لا مذهبا ولا عقيدة، إذ على ما يبدو أن الحروب والقتل والكراهية هي ما يضمن المصالح الفردية، وهي ما يحقق الامتيازات السياسية والاقتصادية، وهذا واقع عالمي لا يختص بنظام سياسي دون آخر، من سيحاكم من إذا كان النظام العالمي بأكمله متورطا بالحروب والإبادات والقتل الجماعي؟! وهل سيسمح هذا النظام بأن يحاكم أحد من عناصره أمام المحاكم الدولية؟! أساسا هل يمكننا الحديث عن نزاهة حقيقية واستقلالية تامة للمحكمة الدولية بعيدا عن سيطرة دول القرار في العالم؟!
إذا ما أخذنا الوضع السوري مثالا على ما سبق، خصوصا مع الأخبار الجديدة التي تتحدث عن تقديم عدد من ضباط الأمن المنشقين مع حركة الانشقاق الأولى في الثورة السورية، إلى المحاكم الأوروبية بتهم التعذيب والاغتصاب وغيرها من التهم، بعد أن تم تقديم بلاغات ضدهم من ضحايا سوريين في فرنسا وألمانيا والسويد، تعرضوا للتعذيب في فروع أمنية كان هؤلاء الضباط على رأسها! ألا يمكننا أن نسأل السؤال التالي: لماذا تتم محاكمة هؤلاء تحديدا، علما بأن ثمة بلاغات وشهادات موثقة قدمت سابقا، ضد (رفعت الأسد) عن مسؤوليته المباشرة عن مجزرة حماة في ثمانينيات القرن الماضي، وكما هو معروف فإن المذكور يعيش بين فرنسا وإسبانيا، ويتنقل بين الدول الأوروبية بكل حرية، وعائلته كلها موجودة في أوروبا، لا أحد يتعرض لها، ولم يتم استدعاؤه للمحاكمة في أي وقت، ليس هو فقط، هناك كثر من المسؤولين السوريين ممن ارتكبوا مجازر قديمة وحديثة يتنقلون بين دول العالم دون أن يمسهم سوء، لماذا تتم محاكمة منشقين منذ سنوات عن النظام، رغم أن ثمة شهادات كثيرة من شباب سوريين قدمت لصالحهم، تحدث أصحابها عن الخدمات التي قدمها هؤلاء للثوار السوريين أثناء فترة خدمتهم في الأمن!
يقينا أن الجرائم لا تسقط بفعل الزمن، وأن الضحايا لا يمكنهم نسيان ما ارتكب بحقهم، وهذا هو جوهر العدالة أصلا، لكن ما يخشى منه حقا هو أن تطبق العدالة على منفذي الأوامر فقط، بينما المجرمون الفعليون لا أحد يمكنه الاقتراب منهم، لا بلاغات ولا شهادات موثقة ولا أي شيء، فهؤلاء يحميهم وجودهم في النظام العالمي العام، النظام القائم أصلا على مبدأ القوة والتسلط والعنف، كيف يمكن الوثوق بعدالة دولية ونحن السوريين نرى كيف يتم تدوير نظام الأسد والتطبيع معه من قبل العالم أجمع، رغم كل ما ارتكبه ومازال يرتكبه من جرائم بحق السوريين؟! كيف يمكن الوثوق بعدالة دولية دعمت كل التنظيمات الجهادية في سوريا وصمتت عن فتكها بالسوريين وثورتهم دون أن يسمح لأحد بالتقدم بأي بلاغ ضدهم؟!
بقلم: رشا عمران

رشا عمران