كتاب وأراء

التململ الأوروبي من سياسات واشنطن

التحركات الأميركية الأخيرة في أوروبا ضمن عدة نشاطات دبلوماسية، ومنها فعاليات مؤتمر وارسو، ومؤتمر ميونخ للأمن، جاءت في سياقات المعركة الصامتة التي تدور رحاها بين الولايات المتحدة وعددٍ من دول الاتحاد الأوروبي، وخاصة منها ألمانيا وفرنسا، وقد تصدر الموضوع المتعلق باتفاق (5 +1) النووي مع إيران العنوان الحالي الأبرز للتباينات التي تتسع كل يوم بين الطرفين. وكان آخرها عزوف كل من ألمانيا وفرنسا عن المشاركة في مؤتمر وارسو، فيما شارك آخرون بتمثيلٍ متواضع، بينما بقيت بريطانيا على خطها المتذيل لسياسات الإدارة الأميركية، فشاركت في المؤتمر بمستوى وزير الخارجية وفق نص الدعوة الأميركية تماماً.
الانقسام العميق بين الأوروبيين والأميركيين، لم يَعُد خافياً على أحد، صحيح أنه لم يصل بعد إلى حالة القطيعة، لكن بوادره القاسية باتت تطفو على السطح، وزاد منها فجاجة السلوك السياسي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لم يوقر أحدا في الخريطة السياسية الدولية، ففتح نيرانه السياسية والتصعيدية على الجميع، من الصين الشعبية إلى روسيا إلى أوروبا وحتى للفلسطينيين في الشرق الأوسط.
الأوربيون واضحون في مواقفهم المتحفظة تجاه سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وقد تبدّى هذا الأمر من خلال الهجوم السياسي لعددٍ من القادة الأوروبيين على السياسة الخارجية لإدارة الرئيس دونالد ترامب أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، فالمستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، والتي طالما أبدت حذراً في تصريحاتها السياسية، قادت التحرّك، مُطلقة العنان لانتقادٍ لاذع لميل الإدارة الأميركية إلى معاملة حلفائها كأنهم تابعون وفي الجيبةِ الأميركيةِ. وقد بدت في خطابٍ لها كأنه تنفيس عمّا في داخل القادة الأوروبيين. كما أعربت عن صدمتها من اعتبار إدارة ترامب أن «سيارات البي إم دبليو الألمانية الصنع تهديد للأمن القومي الأميركي»، وذلك تعليقاً على القول المُضحك لوزير التجارة الأميركي ويلبور روس: «إن السيارات الألمانية تشكّل تهديداً للأمن القومي للولايات المتحدة».
في هذا السياق، حاول نائب الرئيس الأميركي مايك بينس احتواء التململ الأوربي من سياسات رئيسه دونالد ترامب، وخاصة بعد التصفيق الفاتر الذي استقبل به، فأعلن من على منصة مؤتمر وارسو: «جئنا إلى هنا لنؤكد أن التزامنا بأميركا أولاً لا يعني أميركا وحدها، ولنخبر القادة والحلفاء والدول حول العالم بأن أميركا أقوى من قبل، وأميركا تقود عالمياً مرة أخرى».
جملة نائب الرئيس الأميركي الأخيرة، لم تُشكّل عامل ارتياح أو اطمئنان لدى الأوروبيين، خصوصاً ما أرفقها بمطالب زيادة الميزانيات العسكرية للحلف الأطلسي من قبل الأوربيين وكأنها ممول مالي وقزم سياسي، ودعوته لهم للخروج من اتفاق (5 +1) النووي مع إيران، غير مكترثٍ بمصالح الأوروبيين واستثماراتهم الموعودة في إيران. فقوبل خطابه بالازدراء من الأوروبيين، الذين شعروا بأن لهجته فوقية، وتحمل منطق الأستذة، بل وعدائية، وستؤدي إلى المزيد من المعارضة الأوروبية لسياساته تجاه المواضيع السياسية الساخنة.
بقلم: علي بدوان

علي بدوان