كتاب وأراء

أقوالٌ نردِّدها ولا نعرف قائليها

كنا في ندوة، وتحدث أحد أدعياء العلم والثقافة فقال «وكما جاء في الحديث الشريف: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا» وانتهت الندوة فقلت له: يا هذا، تأكد مما تقول قبل أن تقوله، فقال لي: كلامك صحيح، ولذلك قلت: «أو كما قال، خشية أن أكون قد أخطأت في النص» قلت بل أخطأت خطأ أشنع، وهو نسـبة هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ليس من الحديث الشريف، وإنما قاله عمرو بن العاص، ويروى بصيغ مختلفة. وبالمناسبة، إذا بحثتم عن هذه الحكمة في الإنترنت فستجدونها منسوبة إلى الإمام علي كرم الله وجهه، وهو منها براء، وهذا دليل آخر على أن الإنترنت تعج بالأخطاء
تنتشر أيضاً بين الناس عبارة تنسب إلى الملكة الفرنسية ماري أنطوانيت، وقد أعدمت بالمقصلة مع زوجها لويس السادس عشر، والإشاعة أنها قالتها عندما خرج الناس ثائرين في الشوارع، وقيل لها إنهم يطالبون بحقهم في الخبز فقالت «لماذا لا يأكلون البيسكويت؟» وهذا خطأ شائع جداً، فقد وردت العبارة في كتاب «اعترافات» لجان جاك روسو الذي صدر بأجزائه بين عام 1764 وعام 1770 بينما بدأت الثورة عام 1789، وعندما كتب روسو الاعترافات كانت ماري أنطوانيت في العاشرة أو الثانية عشرة من عمرها فقد ولدت عام 1755م وتزوجت لويس السادس عشر عام 1770م.
«قد أختلف معك في الرأي، لكنني على استعداد لأن أدفع حياتي ثمناً لحقك في إبداء رأيك» قرأنا هذه العبارة بصيغ شتى على أنها من أقوال الفيلسوف الفرنسي فولتير (1694 – 1778) والحقيقة أنه لم يقلها، وإنما اخترعتها إيفلين بياتريس هول Evelyn Beatrice Hall في كتابها The Life of Voltaire (حياة فولتير) عام 1903. إيفلين التي كانت تكتب تحت اسم مستعار، اخترعت المقولة لوصف معتقد فولتير حول حرية التعبير، ولعلها كانت تتخيل ما سيقوله الفيلسوف عن الاختلاف في الرأي بين الناس، فوضعت الجملة، وتناقلها الناس على أنها من أقوال فولتير
«حتى أنت يا بروتوس!» كثيراً ما نسمع هذه العبارة في العتب على من لم تكن تتوقع أن تأتي منه الطعنة الغادرة، وتنسب خطأ إلى الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر Julius Caesar (100 ق.م 44 ق.م) والحقيقة أن الإمبراطور الروماني لم يقل هذا، وإنها قاله يوليوس قيصر في مسرحية شيكسبير الشهيرة (1564– 1617) بالاسم نفسه، وقد قال المؤرخ الروماني سويتونيوس ترانكويليوس مؤرخ الإمبراطورية الرومانية وعصر يوليوس قيصر إن ما قاله يوليوس قيصر كان: حتى أنت يا ولد! And you child؟
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين