كتاب وأراء

عمان .. فن العيش المشترك وسمو التسامح وقبول الآخر -«1-2»

تجول في بلاد العرب جميعاً، لن تجد بلداً يسمو فيه التسامح ويزدهر ويثمر، وينعم أهله بنعمة العيش المشترك، ويسود بينهم مشاعر الألفة والمودة والانسجام، كعمان، هناك تجد التسامح بأبهى مظاهره وأجمل تجلياته، تجده سلوكاً مجتمعياً طبيعياً، وقناعة فكرية بدهية، وحقيقة واقعية. لا أحد يتحدث عن التسامح في المجتمع العُماني، لا إعلام يطنطن حوله، ولا أغاني وإهازيج تصدح به، لا مؤتمرات تنشغل به، لا شعارات معلّقة تزحم الشوارع والميادين،لأن المجتمع بكافة مكوناته وطوائفه ومذاهبه، يعيشه ويحيا به واقعاً، وروحاً تسري في كيانه، توجه سلوكه وتصرفاته، تصوغ تفكيره وتصوراته، تشكل مشاعره ووجدانه، في علاقات المكونات ببعضها، وبقيادته، وبالعالم.
كنت في معرض مسقط الدولي للكتاب، أبحث عن سر التسامح العُماني، وعن أجواء الترحاب والألفة، يجدها الزائر بدءاً من المطار، في الفندق، في السوق.. التسامح العُماني، ليس تكرُّماً أو تفضلاً أو تنازلاً، إنه ثقافة قبول الآخر المتغلغلة في النسيج المجتمعي.
ما سر عمان؟
باحثون كثر ذهبوا بحثاً عن إجابات، وُفِّقُوا، لكن الباحثة التركية خديجة جنكيز، كانت الأكثر توفيقا، جاءت وعاشت بيئة التسامح، والتحقت بجامعة قابوس لتقديم رسالة ماجستير: كيف حقق العمانيون العيش المشترك، وجعلوا التسامح سجية مجتمعية ؟ وعمقتها في كتاب توثيقي نفيس (عمان السلطان قابوس: مثالاً للتعايش بين المذاهب الإسلامية والعالم) ترجمة محمد زاهد جول، 2018 اسطنبول. وجدت في الكتاب، إجابات شافية للإعجاز العُماني في فن التعايش.
ما هي العوامل التي ساهمت في تهيئة البيئة المجتمعية للتعايش الإيجابي بين المذاهب الإسلامية: السني، الشيعي، الإباضي، وجعلتها (نموذجا) فريداً للتعايش بين المذاهب والأديان ؟
1- الإمامة في الفكر السياسي الإباضي: أهم العوامل التي أمنت بيئة السلم الاجتماعي والاحترام والتسامح المذهبي والديني، وارتباط الإمامة بالاختيارالشوري للإمام العادل، جعلت عمان بمنأى عن التأثيرات السلبية لعواصم الخلافة التاريخية.
2- الإقصاء التاريخي: تعرَّض العمانيون طوال تاريخهم المذهبي للإقصاء، فارتقوا وأصبحوا لا يريدون للآخرين ما عانوه.
3- التشريعات: تخلو التشريعات من التمييز بين المواطنين بسبب أصولهم أو معتقداتهم أو انتمائهم القبلي أو المذهبي.
4- حزم السلطان: تشدد الخطابات السلطانية على منع أي تحريض مذهبي تعصبي أوخطاب كراهية بكافة أشكاله.
5-الثقافة العمانية المنفتحة: لها دور تاريخي في تشكيل بيئة التسامح، جعلت العماني منسجماً مع المذاهب الأخرى.
5- الانفتاح على العالم عبر البحر والتجارة منذ العهود القديمة.
6- حياد المؤسسة الدينية المذهبي، وضبط الخطاب الديني وترشيده.
7- الخطاب الفقهي الإباضي، ليس تبشيرياً أو إقصائياً أو تعصبياً، لا تتبنى الدولة (الإباضية) مذهباً رسمياً، ولا تفرضه منهجاً دراسياً، للإباضي إذا تزوج سنية أن يصبح سنياً، وللإباضية إذا تزوجت سنياً أو شيعياً أن تنتقل إليه. والمسجد واحد للجميع: سنة، شيعة، إباضية
8- الهوية الوطنية: عملت الدولة على صهر كافة الهويات القبائلية والمذهبية في هوية وطنية عليا واحدة.
9- التحولات الجذرية للمدرسة الإباضية عام 1970من مفهوم الدولة (السياسي) إلى مفهوم الجماعة (الديني والاجتماعي).
10- ثقافة المواطنة: تقوم الدولة بغرس ثقافة المواطنة المتساوية وقيم التسامح والعيش المشترك في عقل ووجدان الجيل الجديد، المواطنون سواء أمام دولة القانون، ولا انحياز مذهبي أو قبلي بأي صورة كانت.
11- الدور الإيجابي للمذاهب الأخرى في تحقيق العيش المشترك.
12- تفعيل قاعدة تكافؤ الفرص بين أتباع المذاهب في كافة قطاعات الدولة والمناشط المجتمعية، فقد بنى السلطان قابوس دولة فوق المذاهب، ويوظف لمساجدها أئمة من جميع المذاهب.
13- مجتمع المهاجرين: تشكل المجتمع العُماني من خلال الهجرات الكثيفة منذ التاريخ القديم ومن أعراق وافدة شكلت مجتمعاً تعددياً متسامحاً كأهم ظاهرة ديموغرافية.
14- وأخيراً، لا نغفل الموقع الجغرافي ودوره الجيو سياسي في الظاهرة العمانية الفريدة.
ختاماً: ما يزيد إجلالك لهذا الشعب الودود، أن الآخرين ينفقون الكثير لتلميع صورتهم، وهم أزهد الناس في إبراز إنجازاتهم.
بقلم: د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري