كتاب وأراء

جـمـيـلـة بـو حـريد والــزاويـــة الضــيـقــة

ثمة أكثر من جيل عربي لا يعرف شيئا عن المناضلة الجزائرية جميلة بو حريد، لا يعرفون حتى اسمها، ومن يعرف الاسم منهم، فهو لهم ليس أكثر من اسم لفيلم مصري بالأبيض والأسود تعرضه قنوات الأفلام العربية القديمة، ويشاهده الآباء والأمهات أو من تبقى من الأجداد بتحسر على أيام الزمن الجميل الذي مضى بكل ما فيه.
لا تشكل جميلة بو حريد شيئا للأجيال العربية الثورية الجديدة، الأجيال التي تخلصت إلى حد كبير من عباءة الفكر القومي، خصوصا بعد أن أثبت غالبية معتنقي هذا الفكر أنهم ليسوا أكثر من مطبلين لأنظمة الاستبداد العربية، وأنهم أصحاب رؤية واحدة ووحيدة غير قادرة على تبديل زواياها بالتزامن مع المتغيرات العالمية والاقليمية والمحلية، وأنهم ما زالوا أسرى لثقافة الجيوش الوطنية الحامية لحدود الأوطان من العدو الإسرائيلي، وأسرى عواطفهم الجياشة تجاه الأنظمة العسكرية التي بدأت في مصر على يد الضباط الأحرار، وما زالت شخصية جمال عبد الناصر تشكل لهؤلاء رمزا يجب الوقوف مع كل من يشبهه. لا تبتعد جميلة بوحريد عن هذه الرؤية أبدا، فهي صرحت أكثر من مرة، خلال السنوات السبع السابقة، بأن الربيع العربي هو مؤامرة صهيونية أميركية دولية على العرب، وصرحت بدعمها لحكام الاستبداد العربي قديمهم وحديثهم، معتبرة أن هؤلاء يجب دعمهم للانتصار على المؤامرة الكونية التي تحيق بهم، على أن أكثر تصريحاتها إيلاما هو تصريحها عن بشار الأسد والنظام السوري أظن في 2015 حين قالت: «سوريا هي آخر معاقل القومية العربية وبشار الأسد هو حامي هذا المعقل»! أشاحت بوحريد نظرها عما يحدث في سوريا، فمئات آلاف السوريين الذين قتلوا خلال السنوات السابقة قتلتهم المؤامرة التي انخرطوا فيها هم برضاهم ورغبتهم، وربما بسبب ميلهم الطبيعي للعمالة، لم يقتلهم الرئيس الحامي لمعقل القومية العربية، ولم تقصفهم طائراته وطائرات حلفائه، ولم يحاصرهم جيشه وأمنه، ولم يشدد الخناق عليهم ويرتكب فيهم المجازر شبيحته ومرتزقته الطائفيون الذين أتى بهم من كل العالم، لم تر المناضلة المخضرمة جميلة بوحريد كل هذا في سوريا، لم تر المدن المدمرة ولا رأت ملايين اللاجئين والمشردين والهاربين من الموت، ولا سمعت بعشرات آلاف القتلى تحت التعذيب في معتقلات آخر حماة العروبة! ما رأته فقط، كحال غالبية أصحاب الفكر القومي، أن هناك مؤامرة غربية إسرائيلية ضد العرب، هذه الرؤية النمطية التي ترجع كل حدث إلى مؤامرة ما، والتي ظهرت، عربيا، مع ظهور أنظمة الاستبداد العسكرية العربية بخطاب إعلامي مدروس على هوى هذه الأنظمة وموجه لشعوب تم تدجينها وطحنها خلال عقود، حتى باتت نظرية المؤامرة جزءا من لا وعيها، بحيث تصبح المؤامرة هي التهمة الأولى الموجهة ضد أي شخص أو جماعة تخرج عن النسق الذي حددته الأنظمة.
فجأة يضج الإعلام العربي ووسائل التواصل الاجتماعية العربية بصور المناضلة جميلة بوحريد وهي وسط الجماهير الجزائرية في قلب العاصمة، في مظاهرات الجزائريين ضد العهدة الخامسة للرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، ومن الطبيعي جدا أن يهلل الجزائريون لوجودها بينهم، فهي رمز نضالي كبير لهم، ووجودها يعزز موقفهم ويمنحه مصداقية شعبية كبيرة لدى من ما زال مترددا وخائفا من التغيير في الجزائر، ولكن يحق لنا أن نتساءل، نحن السوريين وباقي العرب الذين خونتهم بوحريد، عن رأيها بما يحدث في الجزائر، هل تعتبره خارج موجات الربيع العربي الذي لم تر فيه سوى مؤامرة غربية، أم أنها غيرت رأيها بهذا الخصوص، أم أن الجزائريين لا يشبهون باقي الشعوب، فهم وطنيون لا متآمرون كالسوريين؟! ألا يحق لنا أن نتساءل عن هذا ونحن نراقب نبض قلوبنا الفرح بالانتفاضة الجزائرية والمترقب بخوف للقادم من الأيام، والمتأمل بمصير مختلف عن مصير شعوب الموجة الأولى من الربيع العربي؟!
والحال أن موقف جميلة بوحريد ليس فرديا، وسؤالنا ليس لها فقط، بل هو لمجموعة كبيرة من المثقفين الجزائريين القوميين واليساريين الذين يقفون مع النظام السوري بعنف مذهل، وهم الآن في قلب ساحات الجزائر يهتفون ضد بوتفليقة ونظامه الذي، يا للمفارقة، هو الداعم الأكبر والمدافع الشرس بين الأنظمة العربية كلها عن نظام الأسد؟!
بقلم: رشا عمران

رشا عمران