كتاب وأراء

روبوتات صحفية تبعث على القلق

الصحافة مهنة إبداع وتفكير ووعي وحضور ذهني يقظ، وأهم الفروق بين صحفي وآخر نشاطه وخبراته وقدرته على الإبداع الصحفي.. فهذه المهنة تلفظ ضعيفي الذكاء وغير الموهوبين ومحدودي الخبرات والكسولين بطبعهم، ولكن كما أن التوسع في توظيف الآلات أحدث في سالف العصر والأوان بواراً لكثير من الأيدي العاملة إبان نشوء الثورة الصناعية، فإن الروبوتات الصحفية بدأت تخرج لسانها بالفعل للصحفيين البشر وتزاحمهم ليس فقط في غرف الأخبار في الفضائيات الإخبارية، ولكن أيضا على شاشات هذه الفضائيات وفي وكالات أنباء شهيرة وصحف ذائعة الصيت، فمثلا كشفت وكالة أنباء الصين التي تديرها الدولة عن مذيعة أخبار آلية أعلنت أنها ستظهر لأول مرة كمذيعة للأخبار في مارس من العام الجاري، وصوتها مستوحى من مذيعة في وكالة أنباء «شينخوا».
وكشفت شبكة الصحفيين الدوليين أيضا أن وكالة «الأسوشيتد برس» من أوائل المؤسسات الإعلامية التي استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي، وأن الروبوتات فيها انتجت نحو 3000 تقرير اقتصادي بدلا من 300 تقرير فقط كان ينتجها الصحفيون البشر في نفس المدة.
كما استعانت صحف شهيرة أخرى مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست كذلك بتقنية الذكاء الصناعي في العمل الصحفي، ما يعني أن الذكاء البشري لم يعد وحده القادر على الإبداع ولا التفوق في الإنتاج الكمي، فالصحفي الروبوت لم يعد مجرد فكرة، ولكنه صار واقعا قابلا للتحسين إلى حد الأداء المبدع والمتميز.
منذ ماضٍ قريب كنت أستبعد أن تجد هذه الأفكار الصحفية طريقها للتنفيذ، ولكني الآن صرت لا أستبعد أن تنتقل فكرة الصحفي الروبوت طريقها للتنفيذ في عالمنا العربي، فقد يحدث أن ندخل صالات التحرير في صحف عربية لنجدها من صحفيين روبوتات، ويقوم هؤلاء الصحفيون بكل صنوف العمل الصحفي، وبلا جلبة أو مشاكل، بل وفي مدى زمني محدود، ولو حدث ذلك فعلا فأننا سنكون أمام توزيع جديد وغير مسبوق لوظائف وتخصصات العمل الصحفي، بل وسوف تنخفض كثيرا كلفة إنتاج الصحف.
هذا لا يعني إطلاقا أن مهنة الصحافة سوف تنقرض، وأننا في غد قادم سنغلق كليات الإعلام، ونستغني عن الصحفيين، أو نسرح من يبقى منهم في الصحف وغرف الأخبار في وكالات الأنباء والفضائيات، إذ أن الحصول على الأخبار من مصادرها ليس بمقدور الروبوتات، وإن الحاجة إلى الصحفيين البشر لن تنتهي، رغم أن هذه التطورات الزاحفة إلينا تبعث صحفيي اليوم على القلق مما هو قادم، فقد يكون عدد كبير من شبابهم اليوم آخر الرجال المحترمين الذين يشتغلون بهذه المهنة.
وفي واقع الأمر أن الصحافة الروبوتية ستكون جزءا مهما من تغيير كل الأنساق والنظم والوظائف الراهنة في العمل الصحفي، بل وفي تطوير الصحافة الورقية على نحو يجعلها صلبة العود ومنافسا قويا للصحافة الإلكترونية التي تتوسع اليوم تقدم نفسها بديلا محترما للصحافة الورقية.
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي