كتاب وأراء

الجزائر وعقدة التداول على السلطة

لا شك أن ما يحدث في الجزائر اليوم يمثل مشهدا لا يمكن أن ينفصل عن كامل المشهد في المنطقة العربية بما هو امتداد لتعبير الشعوب عن رفضها لمنظومات الاستبداد غير الشرعية. بناء على ذلك فإن الواقع الجزائري اليوم هو امتداد طبيعي لثورات الربيع التي عرفتها المنطقة منذ ما يقارب العقد من الزمان. لقد نجحت الموجة الثورية الأولى في إسقاط واجهات استبدادية كثيرة لكنها لم تنجح في استئصال الدولة العميقة في البلدان التي حدثت فيها وهو ما مكّن من الانقلاب على هذه الثورات ومن إفشال الموجة الأولى. لكن من جهة أخرى نجحت الثورات في كشف المشهد العربي وفي تعرية الفواعل داخله كما عرّت طبيعة اشتغال المنظومات الاستبدادية وفضحت روافدها العربية والغربية.
إن اندلاع الاحتجاجات السلمية في الجزائر وقبلها في السودان تؤكد أننا على أبواب الموجة الثورية الثانية التي ستكون حتما مخالفة للموجة الأولى في طبيعة عملها وفي خصائصها. لكن اللافت للانتباه هو أن الأنظمة الحاكمة لم تستفد من دروس الربيع ولم تتعلم من المصائب الكبيرة التي نتجت عن أزمة التداول على السلطة ورفض النظام الحاكم تغيير آليات الاشتغال الداخلية للدولة والمؤسسات. وليس تشبث النظام الجزائري بالرئيس العاجز إلا خير دليل على أن النظام العربي يدفع دائما نحو الهاوية ولا يبحث عن حلول كفيلة بحقن الدماء وتجنيب الوطن مخاطر الانزلاق نحو العنف والفوضى.
فأمام الجزائر دروس كثيرة من سوريا والعراق وليبيا ومصر واليمن وهي تجارب كفيلة بتنبيه أهل الحل والعقد إلى أن طور الاستبداد قد ولّى وأن الهروب إلى الأمام والمناورة ليست حلولا جذرية لمشاكل الأوطان التي ترزح منذ عقود طويلة تحت نير الحكم الفردي الذي يلغي إرادة الشعوب ويسلبها حقها في تقرير المصير والمشاركة في الحكم. لكن للأسف الشديد يبدو أن المنطق الاستبدادي هو منطق يوحد الأنظمة الحاكمة في المنطقة التي تأبى إلا أن تلاقي نفس مصير سابقيها وهو ما يترك المنطقة مفتوحة على أسوأ الاحتمالات الممكنة.
من جهة ثالثة لم تستطع الدولة العربية العميقة التي تمولها أنظمة خليجية بعينها رعت وما زالت ترعى الانقلابات على الثورات حسم المشهد الثوري وليس الوضع في سوريا وفي مصر إلا خير دليل على ذلك. أي أن المطالب الشعبية في التغيير والتي حركت الموجة الثورية الأولى لا تزال قائمة بل هي آخذة في التصاعد وفي التفاعل بشكل يجعل من الصعب بل من المستحيل إخمادها وطيّ صفحتها.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد