كتاب وأراء

إسرائيل تغزو القمر بـ«بريشت» الأول

من المؤسف جداً أن اختزان أمتنا المهين شعور بالدونية لا يجعلنا نكترث كثيراً بقفزة إسرائيل المباغتة إلى القمر، لتكون رابع دولة في العالم بعد ثلاث دول عظمى هي الولايات المتحدة وروسيا والصين تطأ هذا الكوكب، ومن المؤسف ثانيا أن هذا الشعور قد برد فينا حرارة الغيرة القومية المفترضة لمنافسة إسرائيل، بل وغير إسرائيل، ونحن نرى آخرين يصعدون، بينما نحن نهبط ونهبط ونهبط، فضلاً عن أننا لا نعي كامل الوعي أن الأقوياء الكبار يتجهون للسيطرة على الأرض من الفضاء، وأنهم سيبنون قواعدهم العسكرية وترساناتهم الضاربة والمؤثرة في مستقبل قريب في الأعالي وليس على الأرض، وأن السياق للسيطرة على الفضاء يشتعل زمناً بعد آخر، وأن تعريف مصطلح الدول العظمى ربما يختلف قريباً في مفاهيمه، لتصبح القدرة على السفر إلى الفضاء وبلوغ القمر شرطاً للعظمة، وأحد مسوغات احتلال مقعد العمة في النظام الأممي المتعدد الأقطاب، وأن إسرائيل في قراءتها للمستقبل خططت بفلاح لمحاكاة الكبار العظام، إذ إن الدولة العبرية تخطط لاحتلال أرضاً على القمر من ذاتها، ومن دون وعد بلفور أميركي لها بأن تسيطر على أرض ليست أرضها وتزعم أنها أرض بلا شعب سطت عليها عنوة دون وعد من أحد !ّ
اللافت في شأننا أن أمتنا لا تفتقر إلى موازنات مالية لتضخها في هذا المسعى، رغم أن مقتضيات البحوث العلمية الفضائية من أموال وطاقات هي معطل أساسي لطموحات الكثيرين السفر إلى الفضاء وإكمال مشروعاتهم الفضائية الكبيرة والطموحة.
إسرائيل التي أطلقت مسبارها الأول: «بريشت» والذي يعني بالعبرية: «سفر التكوين، وهو السفر التوراتي الأول الذي يحكي أصل الكون، قد تخطط لاحقاً للتعاون مع الولايات المتحدة، ليسفر هذا التعاون بين وكالة ناسا الأميركية وناسا الافتراضية الإسرائيلية إلى مستويات جديدة من التفوق في عوالم الفضاء والسيطرة عليه، خاصة أن إسرائيل كما تعرف كيف تتفوق، تعرف كذلك كيف تبدأ من حيث انتهى الأميركيون وتكون قفزاتها الفضائية أكبر بكثير من المتوقع لبداياتها.
مهمة المسبار الإسرائيلي «بريشت» هي دراسة سطح القمر ومغناطيسيته، كما أنه يحمل كبسولة ستبقى على القمر للأجيال المقبلة، ولاحقاً سوف تغرس إسرائيل علمها ذا النجمة السداسية على سطح القمر، وليس من المستبعد أيضاً أن ترسم إسرائيل حدود دولتها الفضائية القمرية، وتقيم عليها مستوطناتها الممتدة، ليحميها لها الأميركيون.
فكل ذلك وغيره قد يحدث، بينما نحن نغط في نعاس علمي وبحثي طويل ومذرٍ، ونهدر طاقاتنا فيما لا يفيد، ونحشو رؤوسنا بمجريات أزماتنا التي تشغلنا وتفصلنا عما يفكر فيه الطامحون إلى العظمة الجديدة، والمخططون إلى السيطرة على عوالم جديدة بعدما نفذت الأرض، وبعدما تم اكتشاف كل أصقاعها وقاراتها التي صار أغلبها مأهولاً بديموغرافية تتكاثر بمتواليات «أرنبية» خطيرة تتسبب في إشعال الصراعات لتلبية احتياجاتها الأساسية بحسب هرم «ماسلو»..
ومن المعروف أن الهند لها طموحاتها الفضائية، وترنو إلى السفر للقمر، ولكن إسرائيل سبقتها إلى هذا الكوكب، ومن المعروف أيضاً أن التعاون العلمي بين الهند وإسرائيل قطع شوطاً كبيراً، والترسانة العسكرية الهندية صارت حالياً تضم ذخائر إسرائيلية بكميات كبيرة، ويمكن للتفوق الإسرائيلي الفضائي الراهن أن يسيل لعاب الهنود نحو مزيد من التعاون مع الصديق الإسرائيلي الجديد والأكثر جدوى لهم، فالمسبار الإسرائيلي إلى القمر يعزز أيضاً التغلغل الإسرائيلي على الأرض.
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي