كتاب وأراء

لعنة خاشقجي تلاحق قاتليه

كشف برنامج «ما خفي أعظم» الذي بثته قناة (الجزيرة) عن حقيقة مرعبة تتعلق بالفرن الذي تم إعداده لحرق جثة الكاتب جمال خاشقجي رحمه الله، ولم يكن الحديث عن هذا السلوك الإجرامي مجرد تفصيل عابر في توصيف جريمة سياسية دامية بقدر ما هو تعبير عن حالة من التعطش إلى الدم وتصفية الخصوم بشكل يعبر عن هوس إجرامي لدى أصحابه يستوي في ذلك من أمر أو اشرف أو نفذ. ان ما يميّز اغتيال جمال خاشقجي لا يكمن في الحدث ذاته اعني تصفية معارض سياسي، فهذا من الاحداث المتواترة في تاريخ الكثير من الطغاة في المنطقة العربية وفي غيرها غير أن فكرة استدراج صحفي وكاتب إلى مقر تابع إلى الدولة التي يحمل جنسيتها ليجد نفسه ضحية فخ محكم انتهى بتقطيع جسده وإحراقه يشكل سابقة بكل المقاييس، لأن نظام الحكم السعودي في صورته الجديدة مع ابن سلمان حاول مرارا تسويق نفسه باعتباره من سيخرج المملكة من أسوار التشدد ويبسط المجال واسعا للحريات والحقوق وهي شعارات سرعان ما كشف زيفها حدث الاغتيال الآثم، فإذا كان الكاتب الذي يعيش خارج السعودية قد لاقى هذا المصير المروّع فما هو وضع معتقلي الرأي من كتّاب ومفكرين وعلماء دين وناشطين حقوقيين داخل أقبية السجون التي يشرف عليها أتباع طاغية المملكة؟ ورغم ما بذله محمد بن سلمان من جهد من اجل تبرئة نفسه من جريمة القتل فلا احد يصدّق الدعايات التي يروجها الإعلام التابع له؛ فقد ظلت صورة الحاكم الذي يحمل المنشار لقتل مناوئيه ترافق زياراته الخارجية وتلاحقه حيثما حل. ان الحاكم هو الذي يصنع لنفسه الصورة التي يحملها الناس عنه ومثلما اقترن العدل باسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه والعظمة والنفوذ باسم الخليفة هارون الرشيد، وفي العصر الحديث اقترنت الهالة النضالية بشخصية نيلسون مانديلا الزعيم الإفريقي فإن صورة الحاكم الدموي المتعطش إلى السلطة سترافق اسم محمد بن سلمان وسواء وصل إلى خلافة والده أو رحل قبلها فإنه من الأكيد ان الذاكرة التاريخية ستحتفظ له بأسوأ موضع بين صفحاتها الكثيرة إلى جانب طغاة مماثلين له كانوا يتلذذون بتعذيب مناوئيهم وتقطيعهم وحرقهم وإخماد كل صوت حر قد يزعج ميولهم التسلطية. يذكر التاريخ ان الحجاج بن يوسف كان واليا دمويا يسارع إلى قتل الخصوم وظل اسمه مقترنا بذكر ضحاياه ولعل أشهرهم دون منازع التابعي سعيد بن جبير، ومثلما لاحقت لعنة ابن جبير الحجاج فستظل لعنة خاشقجي تلاحق محمد بن سلمان مهما حاول تبييض نفسه ولن يكون سهلا الفصل بين ذكر الجلاد والضحية لأن التاريخ سيظل دوما يذكر القاتل كلما جاء ذكر اسم ضحيته فبقعة الدم يصعب محوها.
بقلم: سمير حمدي

سمير حمدي