كتاب وأراء

في الحنين إلى الجزائر

في نهاية عام 2007، دعيت إلى الجزائر مع شاعرين سوريين لاستلام فانوس الشعر العربي ونقله إلى دمشق، كانت الجزائر في عام 2007 عاصمة للثقافة العربية، وكانت دمشق تتحضر لاستقبال عام 2008، حيث ستكون هي عاصمة للثقافة العربية، تلك كانت مرتي الأولى التي أذهب فيها إلى الجزائر، ومعرفتي بالجزائريين كانت قليلة، تقتصر على بضعة كتاب وكاتبات ممن درسوا في دمشق وبقوا على صلة وطيدة معها.
كانت الجزائر بالنسبة لي هي بلد المليون شهيد وجميلة بوحيرد والأمير عبدالقادر الجزائري الذي يرقد جثمانه في دمشق، كانت أيضاً الأخضر حامينا والطاهر وطار وآسيا الجبار، والكثير من الشعراء والشاعرات والروائيين والروائيات ممن قرأت وأحببت، كانت الجزائر أيضاً لي قبل سفري إليها، هالة من الخوف والرعب، خصوصاً للنساء، إذ كانت أخبار المجازر التي ارتكبت ضد المدنيين، في الصراع الطويل والعنيف بين الجيش والجماعات الإسلامية الجهادية، كانت لا تزال في الذاكرة الجمعية العربية، مترافقة مع ما يحكيه العرب والسوريين ممن زاروا الجزائر عن الذكورية المسيطرة على المجتمع، وعدم قدرة النساء على التحرك بحرية، وعن الشخصية الجزائرية العنيفة، كل ذلك جعلني قلقة من تلبية الدعوة التي وصلتني، لكنني تغلبت على قلقي وذهبت.
أعترف أنني وقعت في غرام الجزائر العاصمة منذ وصولي إليها، رغم الاحتياطات الأمنية الهائلة التي أحطنا بها، وعدم قدرتي على التحرك بمفردي، كما أحب أن أفعل عادة في المدن الجديدة، لكن شيئاً ما في المكان وطاقة مذهلة أصابتني في الجزائر، تشبه الجزائر العاصمة شبه جزيرة، البحر في الأسفل في المنتصف والمدينة بخضارها اللافت تحيط به بامتداد شاقولي، تلال خضراء تتصاعد من البحر باتجاه الأعلى، حيث العمارات البيضاء متوسطة الارتفاع بشبابيكها الزرقاء تشرف في أغلبها على البحر، النمط المعماري الفرنسي هو السمة الغالبة على الجزائر العاصمة التي لم أزر غيرها للأسف، نمط كولونيالي بامتياز، يشي مباشرة أن فرنسا حين دخلت الجزائر محتلة، كانت تنوي البقاء إلى الأبد، العمارة وكروم العنب ومصانع النبيذ، وأكشاك الورد ونظام السير، أشياء وتفاصيل صغيرة كثيرة جداً تخبر عن نية الفرنسيين بالبقاء في هذا المكان الجميل إلى الأبد، يضاف إليه طبعاً آثار التعريب وأنماطه التي يميزها الزائر في أسماء المحلات والشوارع.
على أن أهم ما يمكن الانتباه له في الجزائر، هو الشخصية الجزائرية نفسها، شخصية تبدو للهولة الأولى مغلقة وعنيفة، بحيث يشعر الغريب عنها أنه لا مجال أبداً لاختراقها، وأن ما سمعه عن عنف هذه الشخصية هو حقيقي، لا تعطي الشخصية الجزائرية نفسها بسهولة للآخرين، يمكن هنا أيضا أن نعود إلى اللغة، حيث اللهجة الجزائرية الدارجة هي خليط من الفرنسية والأمازيغية مع بعض المفردات العربية، مع لكنة سريعة وحادة، تحدث بعض الاضطراب في البداية، قبل أن ينتبه من هم مثلي، قادمون من بلاد الشام المعتزة بعربيتها الواضحة، أن الجزائري يجاهد للحديث بالفصحى كي يتواصل معي، وأن ثمة إحساس بالذنب يظهر فجأة، كما لو أنه يعتذر عن سنوات الاستعمار التي جعلت عربيته أقل من عربية بلاد الشام، ثمة أيديولوجيا قومية عربية واضحة في الشخصية الجزائرية، تكاد تكون هي القاسم المشترك بين جميع من قابلتهم هناك، إذ عدت إلى الجزائر في نهاية عام 2010 قبل بدء الربيع العربي، في دعوة إلى صالون الكتاب هناك، عدت بشوق وشغف هذه المرة، جددت صداقاتي مع من عرفتهم في زياراتي الأولى وتعرفت على المزيد من الأصدقاء، وتأكد إحساسي تجاه الشخصية الجزائرية الحقيقية، فالشخصية المغلقة العنيفة كما يبدو ليست سوى غلاف يمكن اختراقه نحو الشخصية الطيبة الخجولة المنفتحة العنيدة بتمسكها بثوابت يبدو أنها لا تستطيع التخلي عنها، هذا العند هو ما مكنها من طرد الاحتلال الفرنسي، لكنه أيضاً جعلها متمسكة بالفكر القومي الذي سبب لنا نحن السوريين، بعد اندلاع الثورة، مشكلة في العلاقة مع الكثير من الجزائريين، الذين يرون في نظام البعث (قلعة قومية عروبية في وجه إسرائيل والقوى الاستعارية)، مما جعلهم يقفون ضد الثورة السورية منذ البداية، وبعد افتراقات الثورة وعسكرتها وأسلمتها صاروا أكثر عنفاً في الدفاع عن نظام الأسد، إذ ما حدث جعلهم يستعيدون سنوات العنف والجمر التي مرت على الجزائر بسبب الصراع بين الجهاديين والجيش.
غير أن كل الأسى من موقف الجزائريين زال وانتهى وأنا أشاهد، كملايين غيري: جزائريون يملؤون شوارع العاصمة، رجال ونساء وشباب وأطفال ومثقفون وفنانون وطلبة وأكاديميون، بعد أن زال الخوف الماضي، خوف التورط في العنف والعنف المضاد، وظهر وجه الجزائر الحقيقي، الوجه الذي يشبه طبيعة الجزائر: خضراء تخفي خلفها لونا أبيض وشبابيك زرقاء مفتوحة على البحر.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران