كتاب وأراء

الربيع العربي.. ثورة لن تموت! «2-3»

مهما كانت درجة طغيان رأس النظام واستبداده وإجرامه، فهو لا يقوم بكل هذا بمفرده ولكن عبر مؤسسات تسانده وتقوم بتنفيذ رغباته وأوامره وتقف وراءه وتمنحه من الأسباب والقوة ما يمكنه من فرض رؤيته وإرادته، ودون تلك المؤسسات ودعمها يبقى بلا حول له أو قوة وعندما تواجه تلك المؤسسات تحركاً شعبياً غاضباً وجارفاً ضد هذا الفرد تقوم المنظومة المكونة لتلك المؤسسات والجامعة لها والمنسقة بينها بالإطاحة به وتجديد نفسها تلقائيًا وتستعد للجولة القادمة في صراعها الوجودي للبقاء.
ومهما كانت درجة ارتفاع أو تدني كفاءة القائمين على تلك المؤسسات المرتبطة غالبًا بدوائر وأحلاف خارجية لكن الواقع وما حدث من انتكاسات مؤقتة لثورات الربيع العربي أثبت أنها عكس الجموع الثائرة الغاضبة لديها دائمًا خطط بديلة وسيناريوهات متعددة للاستمرار والالتفاف على مطالب الشعوب ويتم تنفيذ الخطة والسيناريو المناسب تبعًا للمعطيات على الأرض وما يستجد على الساحة السياسية من أحداث.
بمجرد النجاح في تغيير رأس النظام هناك حدثان مرتبطان ببعضهما البعض رغم أنهما على طرفي نقيض، تبذل مؤسسات النظام أقصى جهدها لتلملم شتاتها وتوحد صفوفها وتقع جموع الشعب في معضلة التشرذم وتنوع الرؤى والتوجهات- قبل الأوان-، ويعود هذا لكون تلك المؤسسات قد تم بناؤها على مدى عقود وتقوم بانتخاب المنتسبين إليها على مهل وتجدد قواعد وشروط الانضمام إليها باستمرار بما يسمح لها أن تقوم بعملها بتناغم حتى في أحلك الظروف، فالمميزات التي يتحصل عليها ويتمتع بها المنتسبون إليها كما الشروط والمتطلبات تجعل من أولئك المنتسبين نسخاً تكاد تكون متطابقة في الرؤية والأهداف وحتى نمط المعيشة، وهو ما يجعل أفرادها يتمسكون ولآخر لحظة وفي أعقد الأوضاع بالبقاء والاستمرار والتضحية بالبعض- بصورة مؤقتة أو دائمة- إن لزم الأمر لكى تتمكن البقية من الاستمرار، وعلى النقيض تمامًا جموع الشعب التي خرجت ضد النظام بغية تغييره تأتي من مشارب وطبقات ومدارس فكرية مختلفة، بل ومتنافرة جمعها هدف لحظي مؤقت وأسباب مختلفة يمثلها النظام وبمجرد نجاحها المرحلي في الإطاحة بالحاكم سرعان ما تظهر وفي لمح البصر الخلافات ويدب الشقاق بين صفوفها- نخبًا وقواعد- فلكل منها رؤيته وأهدافه ومشروعه المختلف عن الآخرين.
تعتمد طوائف الشعب الثائر على بعضها البعض في الاستمرار والعمل على تغيير النظام دون الاعتماد على وجود إطراف خارجية تدعمها وتمكنها من الوقوف في وجه النظام ومؤسساته، وإن وجد هذا الدعم فهذا يعني الخروج من دائرة الرغبة الشعبية الداخلية إلى دائرة أوسع متشعبة ومعقدة التفاصيل، متعددة الأطراف ومتضاربة الأهداف، فلا يوجد دعم مجاني يمكن أن يقدمه أي طرف خارجي- غربي تحديدًا- وهو ما يؤثر على المعادلة فهذا الدعم دومًا ما يأتي لحساب فصيل بعينه تتفق توجهاته وأهدافه مع هذا الحليف أو ذاك وهذا الدعم يقويه وفي نفس الوقت يبعده عن شركاء الميدان وهو ما يضعف المجموع، ذلك الدعم هو أمر نادر الحدوث ولا تفضله أو تنتهجه الأنظمة الغربية إلا لمنح النظام المزيد من الوقت ليتمكن من تجديد نفسه، وقد تتعاطف بعض الأنظمة الإقليمية مع الشعوب الثائرة وتحاول مد يد العون لها وتدعمها بطرق وأساليب عدة وغالبًا ما يكون هذا نابع من رغبة تلك الأنظمة في تغيير المعادلة القائمة وإضعاف السيطرة الغربية على تلك الأنظمة السلطوية، مما قد ينتج عنه مستقبلًا تدعيم تواجدها واستقلالية متزايدة لقرارها وهو ما يمكن أن نطلق عليه الاستثمار في الشعوب ومحاولة تكوين أحلاف جديدة وتغيير معادلة الحكم والأحلاف القائمة وهو ما يصب في مصلحة تلك الأنظمة والشعوب الثائرة وهو أمر لا بأس وضروري وحتمي لا شك في هذا، عوضًا عن الاستثمار في الأنظمة الديكتاتورية والسلطوية وهو النهج السائد والمفضل للغرب وحلفائه في المنطقة وعلى رأسهم بالطبع الكيان الصهيوني وحلف الثورة المضادة وفي مقدمته السعودية والإمارات ومن يسيرون في ركبهم.
في المحصلة من الواضح أن الأنظمة الديكتاتورية قد نجحت ولحد كبير في تغيير جلودها وتبديل وجوهها وهو ما ما أعطاها فترة إضافية ونجاحًا مؤقتًا في المرحلة ولكنها أيضًا تيقنت هي ومن يدعمونها إقليميًا ودوليًا أنه من الصعوبة بمكان إعادة الشعوب والمنطقة إلى سيرتها الأولى فكتاب الحكم الديكتاتوري والسلطوي قواعده لم تتغير رغم مرور الزمن وإن اختلفت أدواته.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري