كتاب وأراء

فتات الأمل على طاولة الرغبة

فتات الأمل على طاولة الرغبة

ما مِن معنى لحياتك وعَرْض خطواتك عندما تَصطدم مُخَطَّطاتك الثورية وأحلامك العاطفية بصخرة الفشل التي تُعْمِي عينيك عن رؤية غير الأَسْوَد وتَكسر الميزان الذي كنتَ تَزِنُ فيه وجودك لِتُحَدِّدَ مقاس رحلة قدمَيْك..
مَن هذا الفاشل الذي نُجَرِّب أن نتحدث بلسانه؟!
وأيّ دوافع هذه التي تَزجّ بآماله في قاع نهر الألم؟!
ومِن أين كان سيبدأ الطريق إلى نجاة روحه العالقة بين عمودِ «لا» وحَبْلِ «لَمْ»؟!
لِنَقُلْ إنه فلاديمير ماياكوفسكي Vladimir Maïakovski، فلاديمير الكاتب والمسرحي والشاعر الروسي العنيد الذي لا تَحدّه إلا ضربة حديد..
لكن ماذا عن ضربة العاطفة؟!
إنها لا تختلف عن ضربة عاصفة، عاصفة تَركض وتحت إِبْطِها تَحمل الأخضر من أشجار العمر تلك التي أَقْسَمَتْ ألا تموت، لكن لأنها أشجار فإنها ستموت واقفة.. ستَموت أَحبَّتْ أم كرهَتْ..
في محيط كانت تخيم عليه الظروف الصعبة نشأ فلاديمير ماكايوفسكي، هذه الظروف لم تُشجع فلاديمير على التعلق بمقاعد الدراسة، فدائما ما كان كاتبُنا يَشعر بالغربة، وكان التفاوت الطبقي يصب الزيت في النار ليُعجل فلاديمير باتخاذ القرار، إنه قرَّرَ بحكمةِ الشاعِر بفقره أن يَصرف النظر عن متابعة تعليمه..
لكن تشاء غيومُ القَدَر أن تَلتقط الفتى الصغير فلاديمير لتَحمله إلى بيئة أخرى يَستأنف فيها دروسه، ثم يَمدّ له القَدَرُ كَفَّه لاحقا ليَأخذه إلى حيث سيتنفس الصعداء هذا الـ«فلاديمير» الكبير بإيمانه بما هو في انتظاره..
موعد ضربه القَدَر لفلاديمير ليَلِجَ المكان الأمثل لدراسة الرسم والفنون.. لكن هل كان هذا شيئا جديدا في مخطَّط حسابات فلاديمير ماكايوفسكي المستقبلية؟!
لنقل إنه تأثر في هذا بأُمِّه التي كانت تُحَلِّق في سماء وجدانها عصافير حالمة بِحَبّ الشِّعر وحُبّ الرسم، فإذا بها تُؤثر في الصغير كل التأثير..
عن الحُبّ كتب فلاديمير ماياكوفسكي بكل الحرارة التي يُولدها جَمال الإحساس، وللحُبّ عزفَ الشاعر على أوتار قلبه وعينيه، وبُكاءً على الحُبّ الراحل بحقيبته بعيدا عن روحه المنكسرة حرَّرَ فلاديمير رسالةَ وداع تخبئ الموتَ في ظرف أبيض، أبيض هو بياض الحياة التي لم تجرِّبْ أن تَطرق باب الشاعر..
لكن هل قلنا الحُبّ؟!
صحيح، إنها خيبة الحُبّ الثقيلة التي تُسْكِتُ مواءَ قطّ القبيلة.. وما كان فلاديمير ماياكوفسكي غير قط القبيلة المشاكِس ذاك الذي دافع بشراسة عن بَيض الكادحين والفلاحين الراسبين في امتحان المطالَبة بالحق، والبؤساء والأشقياء والمقطوعة ألسنتهم..
فهل كان الحُبّ وحده ما عجَّل بمغيب شمس حياة الشاعر؟!
طبعا لا، فإلى جانب سقوط فلاديمير ماياكوفسكي في اختبار الحُبّ بعد أن اختارت حبيبته تركه والزواج بآخَر، وَجَدْنا الشاعر التعيس يَسقط في اختبار الثورة التي راهن عليها، راهن المسكين هو عليها دون أن يحسب حسابَ الحصار والرقابة الشرسة اللذين جعلا حبل الحياة يلتف حول عنق صاحبنا الثائر..
لهذا آثر فلاديمير ماياكوفسكي المسكين أن يَأذن للحبل اللعين بالمزيد من التضييق على أنفاسه، لكن كيف؟! لِنَقُلْ: طوعاً واختياراً.. إنه الموت الرحيم الذي تَمَسَّكَ به الكاتب وهو يُفرغ محتوى المسدَّس في جثته العالقة أقدامها بسطح الدنيا..
37سنة هي كل رصيد فلاديمير ماياكوفسكي في بنك الحياة التي تَعِدُكَ بإفلاس بعد أن تَحرمك مِن كل شيء.. حتى فُتات الأمل على طاولة الرغبة تَحرمك منه، وتُوَقِّع بحِبر خَفِيّ على هزيمتك..
37 سنة من حياة فلاديمير ماياكوفسكي تَكفي لتحكي قصة نضال إنسان وجد نفسَه يَجدف بمجداف يتيم على قارب الفكر في بحر الحياة الذي قرر صاحبنا أن يبدأ فيه رحلة الكتابة بالفَم والقلَم في وقت مبكر جدا قد لا يُشجع على خوض التجربة عند سواه..
لكنه حظك من الدنيا ذاك الذي يصور لك مشعلَ الإرادة متوهجا أكثر مما ينبغي، فتُصَفِّق قدماك لحزمة الضوء تلك النابضة كقلب صغير من ثُقب باب التحدي..
التحدي مفتاح الطريق إلى الحرية، لذلك وجدنا أن المشاعر الثورية في دواخل فلاديمير ماياكوفسكي لم تَهدأ، لم تهدأ هذه المشاعر، ولم تَسمح لعصا الاعتقال بأن تلجم لسان صوته الثائر..
هذه الميول الثورية التي عَشَّشَتْ في ذهن ووجدان فلاديمير ماياكوفسكي أَهَّلَتْهُ لرفع صوته الهائج على عمودَيْ الشِّعر والمسرح.. ولا غرابة، أن يكون رِجال الشِّعر والمسرح دائما في مقدمة مَن يَخدمون التطلعات السياسة ذات المقاصد العادلة، أو لنقل بعبارة أخرى ذات الحِسّ المؤيِّد لزمن التغيير من منطلق الإنصاف واسترجاع الحق الضائع..
الكاتب فلاديمير ماياكوفسكي هو نفسُه الشاعر الساخر صاحب قصيدة «غيمة في سروال» التي حاول بعنوانها التمويه فِرارا مِن متابعَة الرقابة الروسية الضاغطة بقوة على أصابع الشعراء مِن صُنّاع الثورة الحَرْفِية وغيرهم من النافخين في جمرها..
بعيدا عن حقل السياسة، يَعتذر صاحبنا فلاديمير ماياكوفسكي عن إعادة ترتيب أوراق الحياة.. إنها الحياة البائسة التي لا يَجد كاتبُنا حرجا في أن يتنازل عنها ويَتركها تَغرب عن وجهه في دنيا كَفَرَتْ بحقه في الحُبّ..
زورق الحُبّ تتشتت قِطَعُه الخشبية لتُبَعْثِر معها قلبا أهانَه الهوى فهَوى، سقط قلب الشاعر بِصَدره ينفصل عن رأسه، فإذا بمضخة قلبه تُفرغ قالَبَ الحياة من قلبِه، وإذا بالروح تستفيق من ذهولها العاطفي ناقمة على الجسد المهجور..
روح فلاديمير ماكايوفسكي الحالفة أن تُغادر نراها تُلَمْلِم منديلَ عطرها لتَدفنه في قبر الأيام، إنها الأيام نفسُها التي باح لها شاعر الثورة فلاديمير بثورة قلبه قبل أن تَجْتَثَّه ريح الرحيل بعيدا عن مسقط القلب والعين..
تِلك أيام لا تَبكي، ولا تَستحق أن يَبكي عليها أحد.
بقلم: سعاد درير

سعاد درير