كتاب وأراء

مديح الأحياء أم رثاء الموتى؟

- أبشع الخيانات، خيانة القناعات.
- بئس المواريث، إرث ثوابت وتقليد عادات بالية، عتية تُعرقل تحررنا الفكري والشعوري دون وضعها على ميزان العقل والقلب معاً.
- تبني معتقدات لمجرد أنها منسوبة للجمع تشكك في ثقة الفرد في نَسَب بنات أفكاره وأبناء إدراكاته لأنه يسلم بعقم عقله؛ فالبعض قَرّ في وجدانه مُسَلّمَة أن التقوى تتنافى مع الفكر؛ ما حلل زندقة العقول والاستكانة لتفكير الآخرين نيابة عنه.
- لخريطة الواقع تضاريس نَدُرَ من استطاع من كان من «أوائل» الفصل بلوغ قمتها، رُغم تربع نكرات عالم الدراسة عليها من طلبة كانت لهم ظروف موغلة في العتمة والقساوة؛ حيث ثبت بالواقع أن معظم أوائل الصفوف الدراسية لم يصادفوا نبوغًا في ميادين الحياة، رُغم توقعات المحيطين التي عاندها القدر، فلا تهتم إن لم يحرز صغارك العلامات النهائية لأن الأهم هو التراتبية في ميادين الحياة لا في قاعات الفصول.
- بينما العامة غارقون في بحار متع الزواج ومشاكله، والإنجاب ومسؤولياته التي تهدر أعمارهم، أو ربما تمنح فرصة ميلاد عباقرة آخرين، يظل العباقرة أنفسهم أيقاظًا لحفظ واستغلال كل لحيظة من أعمارهم بحثًا عن متعة الخلد.
- كم شغلت المنازعة على أنساب العظماء الفكر البشري أكثر من انشغالهم بنتاج هؤلاء العظماء أو بمحاولة الإفادة منهم؛ فتفاخر العوام بعرقياتهم، وتعاليهم بموروثاتهم، داء يستدعي العلاج، لأن الأصل هو الاستفادة بحركة العطف والاستمتاع بتبادل الأفكار، والإثراء من نشر العلوم والفنون لتعم الفائدة على البشرية، فمن الطبيعي أن يحب المرء أباه وسلفه وخلفه، لكن ما الداعي لمعاداة سواهم؟
- من الملاحظ أن ركعات النافلة أيسر على المرء من ركعتي الفرض، ونافلة الصدقة أخف وطأة من الزكاة المفروضة.. صدقًا، كل ممنوع مرغوب ولن أنسى ما روته لي سيدة كانت تذاكر على ضوء وناسة صغيرة لأن والدتها كانت تحول بينها وبين استكمال دراستها فيما سائر الآباء يذاكرون نيابة عن أبنائهم ويفرحون نيابة عن صغارهم لو نجحوا.. فلا تلهث وراء صغيرك ليذاكر، فتحر نوعية المنتج التربوي قل نصيبه في ثقافتنا التربوية، ولا تتوقع أن تنفق بقلا فتربح غنماً.
- كم يبلسم الموت الجراح ويلجم العداوات.. فمن سكنت جوارحه، أهاجت أذهان الناس حوله، وكم مدح عدو خصمه ونَحَل عليه مزايا ليست له وفضائل ما امتلكها قط، ولا هو نفسه لمسها حال حياته، فما أن يموت الإنسان حتى تصبح شخصيته ذات رونق وتلمع قضيته، فتحيا ذكرى المصلوب وتُنحت تماثيل للشهيد المقتول وتُطلق أسماء الشوارع على العلماء الذين عاشوا نكرات وعانوا النكران طوال حياتهم، وكم وضعت الزهور على القبور، فمتى يهدون الورد للأحياء؟ ولن أمل من ترديد ما كتبته آنفًا أن«طوبى لمن تدثر بنخب مديح الأحياء عمن اغتسل بدمع رثاء الموتى».
كاتبة مصرية داليا الحديدي

داليا الحديدي