كتاب وأراء

حروب المستقبل التي يستعد لها العمالقة

حينما طلت حروب مكافحة الإرهاب على العالم اتضح للجيوش النظامية في أغلب الدول أنه لا بد من إجراء تعديلات على أدائها و تكوينها واستعداداتها وإمكانياتها وأيضاً تسليحها ليتناسب مع هذه الحروب والعمليات الجديدة لضمان كفاءة قتالية عالية، وسرعة وجاهزية في حسم العماليات، بل وكان الاهتمام بهذه الحروب غير النظامية مؤشراً على انخفاض نسبي لسباق التسلح التقليدي بين العمالقة، وأن جيوش اليوم صارت مهمومة بالحفاظ على الأمن ومنع إرهابيين من القيام بعملياتهم المروعة والمباغتة، أكثر من اهتمام هذه الجيوش برفع جاهزيتها استعداداً لحروب نظامية كتلك التي نشبت خلال الحربين العالميتين أو غيرهما
الآن تعود جيوش في العالم إلى الاهتمام مجدداً بالحروب النظامية والاستعداد لها بما تحتاجه من أسلحة حديثة، فنجد البنتاغون الأميركي أن حروب المستقبل ستختلف جذرياً عن النزاعات التي خضناها سابقاً بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي وامبراطوريته الحمراء، ويجب الاستعداد لذلك، ومن ذلك نجد أن الرئيس الأميركي ترامب يعتزم زيادة الميزانية الدفاعية إلى 750 مليار دولار، وذلك على الرغم من الانخفاض النسبي للنفاق الأميركي العسكري في أوروبا وغيرها، ما يعني أن واشنطن تتجه حالياً لتطوير ترسانتها العسكرية وتحديث مكوناتها استعداداً وتجهيزاً لمقتضيات حروب المستقبل ومقتضياتها، ولضمان ديمومة التفوق العسكري الأميركي، وأيضاً من أجل الحفاظ على السلم في العالم، ولأن الحروب في المستقبل ستجري ليس فقط جواً أو براً أو بحراً، وإنما كذلك في الفضاء والفضاء الإلكتروني، مما سيزيد دراماتيكياً تعقيدات تنفيذ العمليات القتالية الروس من جانبهم يمضون في السياق ذاته، وينفقون كثيراً على برامج تحديث أسلحتهم، ويحشدون أعداداً ليست قليلة من خبراء التسليح لأجل خوض سباق تسلح مستتر مع الأميركيين. وعلى الرغم من أن الروس يعوزون مدخولات تحتاجها خططهم العسكرية، إلا أن المتوفر من ذلك لا يلبي كل مقتضيات هذا التحديث ومجاراة الأميركيين في ذلك، ولهذا نجد أن الروس طوروا من قدرتهم على تصدير حاصلات زراعية، لزيادة مدخولاتهم، حتى أن صادراتهم الزراعية تحقق لهم دخلاً يفوق مدخولاتهم من تصدير الأسلحة، ليتسنى لهم ضخ الأموال في موازناتهم العسكرية، من أجل خوض سباق تسلح غير معلن عنه.
الروس كانوا قد أعلنوا مؤخراً ما توصلوا إليه من تحديثات لترساناتهم، وبخاصة الصواريخ في هذه الترسانة، إلا أن خبيراً عسكرياً روسياً قال مؤخراً معترفاً إن مدمرات أمريكية من طراز معين مزودة بصواريخ خطيرة ومجنحة تشكل تهديداً حقيقياً لروسيا وللأمن القومي الروسي، بينما من الواضح أن الأميركيين لا يجارون الروس في الكشف عما يضاف إلى ترساناتهم العسكرية من جديد ومذهل، فضلاً عن أن الأميركيين قرروا المضي قدماً إلى إضافة سلاح جديد إلى جيوشهم المتعددة، وهو حروب الفضاء التي تعد نسخة مستحدثة ومطورة مما كان يسمى حرب النجوم، وهو إضافة تحتاج إلى موازنات كبيرة وقدرات علمية هائلة نظن أنها متاحة للولايات المتحدة أكثر من غيرها.
وفي واقع الأمر فإن الروس يعتبرون الخروج الأميركي من معاهدة الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى خطوة عدائية لابد من الاحتياط لأبعادها ألحقت ضرراً بالغاً بمصالح روسيا الوطنية، وأن الأميركيين لديهم الكثير الذي يضمن لهم تفوقاً بعد هذا الخروج، بينما يعمل الكرملين علانية على تعميق الانقسام عبر الأطلسي وتصدع العلاقة بين واشنطن والاتحاد الأوروبي، وتعويم أوروبا بعيداً نسبياً عن الولايات المتحدة، لتضمن موسكو عدم نشر صواريخ أمريكية في دول أوروبية، غير أن حظوظ موسكو في هذا الصدد قليلة.
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي