كتاب وأراء

لن تنجب الأمة مثله

لا ينسى الكتاب والصحفـيون تذكيرنا بهذا الزعـيم أو ذاك، بمناسبة ذكرى ميلاده أو وفاته، وقـليلاً ما يتذكرون العباقـرة الذين أعـطوا الأمة ما لم تسـتطع إكماله أو البناء عليه. ولست أقارن، ولكنني ألـحَّ عـليَّ قول الـقاضي في مـحاكمة أبي الكيـمـياء الحـديـثـة لافـوازييه عام 1794 بعد انتصار الثورة الفرنسية: «الجمهورية ليست بحاجة إلى علماء بل إلى عدالة» وما زال قوله هذا وصمة في تاريخ القضاء الفرنسي واستخفافاً مشيناً بالعبقرية لا مثيل له. وما أصدق العبارة التي قيلت عند إعـدامه «إن قـطع رقبة لافوازييه لا يسـتغرق دقـيقة واحدة، ولكن مائة سـنة لا تكفي لتنجب الأمة واحداً مثله». إن الدولة بحاجة إلى العلماء والأدباء والشعراء والفنانين، أكثر من حاجتها إلى «ثورجيين» يصفي بعضهم بعضاً.
مرت أمس ذكرى ميلاد سـيد درويش الذي عجزت الأمة عن أن تـنجب عـبقرية مثلـه خلال 127 عاماً، وإذا بنينا المسـتقبل عـلى الحاضر فإننا نقول بثـقة إنها «لن تنجب مثـله» ولد السـيد درويش البحر مجدّد الموسيقى وباعث النهضة الموسـيقية في مصر والوطن العربي في الإسـكندرية في 17 مارس 1892 وتوفي في 10 سبتمبر 1923، أي أنه لم يعش أكثر من 31 عاماً وبضعة أشهر، ويذهـل المرء حين يطلع على نتاجه الموسـيقي والتـلحيني في هذا العمر القصير، ويتساءل: ماذا كان سيعطي لو أن الـلـه مدّ في عمره؟
ترك سـيد درويش عشـرة أدوار من أجمل وأكمل ما صنـع في هذا الـلون الذي لم يعـد أحد يكتبه أو يلحـنه، ولا يجرؤ مغـنو ومغنيات العصر الحديث على الاقتراب منه، من أشهرها «ضيعت مسـتقبل حياتي» و«أنا هويت» كما ترك عـشرة موشـحات من أجمل الموشحات، أشـهرها موشـح «يا شـادي الألحان» الذي لم يبـق مطرب أو مطربة يحـترم الغناء الأصيل ويقـدر عـليه إلا غـناه. لكن الأهم أنه لحن عشـرين أوبريتاً (وهي مسـرحية غـنائية أهـملت تماماً في العـصر الحديث ما عـدا ما فعله الرحابنة) فإذا كان في كل أوبريت عـشـر أغانٍ فإن هـذا يعني مائتي لحن.
والأهم أيضاً أنه التصق بالشـعـب، وراح يلحن لـلناس المهمّشـيـن: الشـيالين، والسـفرجية، وعمال الـبناء، وعمال البحر، والفلاحين، وبسطاء الناس وغيرهـم، كما شـغله الكـفاح الوطني، ويكفـي أن نذكر نشـيد «بلادي» الخالـد الـذي أخذ مطلعـه من خطبة لـلزعـيـم مصطفى كامل، وصار نشـيد مصر الوطني.
والعجب العجاب هـذا الإهـمال المتعـمد لسـيد درويش وتراثه، لم يكمل أحد مسـيرته، مات معـظم تراثـه حبيس الأدراج، وما من جهة تنفض عنه الغـبار، وتتجاهـله وسـائل الإعلام، ويلح سؤال كبير: لماذا؟
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين