كتاب وأراء

العراقيون ودمشق والـثــورة الـكـاشـفـة

لدي الكثير من الأصدقاء العراقيين، بعد المصريين، حيث أعيش من سبع سنوات، هم الأكثر عددا من بين أصدقائي العرب، مع أنني لم أزر العراق في حياتي، إذ لطالما رفضت دعوات للمشاركة في أمسيات شعرية ومهرجانات في العراق، كان الأمر لي لو أنني لبيت دعوة ما يشبه خيانة أصدقائي المثقفين والشعراء الذين شردهم نظام صدام حسين والبعث وشتتهم في كل العالم،
ويحلمون بزيارة العراق ولو لساعات، لكنهم يعرفون أن ما ينتظرهم هناك إما الاعتقال وإما التصفية الجسدية، رفضت حتى الذهاب في الوفد السوري المدني الذي شكله مثقفون وفنانون سوريون لمساندة العراقيين في فك الحصار الأميركي عن العراق قبل العدوان الكبير، ليس لأنني كنت مؤيدة لأميركا في عدوانهاـ فأنا كنت وما زلت أرى أن أميركا لم ولن تجلب لبلادنا سوى الدمار والخراب، ولكنني كنت أخشى أن يتم استغلال المساندة المدنية الشعبية تلك وتجييرها لتبييض صفحة النظام العراقي الذي شرد وقتل مئات الآلاف من العراقيين، وهو ما حدث فعلا يومها للأسف.
تعرفت على الأصدقاء العراقيين في دمشق في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كانت دمشق محطة أولى ورئيسية للمثقفين العراقيين الهاربين من بطش النظام، قبل رحلات لجوئهم إلى دول أوروبا، ثم كانت دمشق محطة أيضا للعراقيين الهاربين من الاحتلال الأميركي، ومن النظام الذي أتى به الاحتلال والذي كان له دور كبير في الفوضى التي حصلت في العراق بعد الاحتلال، استقبلت دمشق خلال أكثر من ثلاثين عاما كثر جدا من العراقيين متناقضي الانتماءات السياسية والهويات المذهبية، لم يكن، بحكم الحال، من المهم أن نعرف أصدقاءنا المثقفين العراقيين بناء على طوائفهم، كان المهم لنا أنهم ضحايا استبداد حزب البعث ونظامه الحاكم، نفس النظام الذي كان يبطش بالسوريين في سوريا دون أن نتجرأ على الاحتجاج، إذ رأينا ما الذي فعله النظام بمن تجرأ وقال لا في وجهه. لم تكن الهوية الطائفية والمذهبية مجال بحث بين المثقفين السوريين، ربما بسبب التقية التي سادت المجتمع السوري قبل الثورة، وربما بسبب الخوف المتأصل داخلنا والذي يمنعنا من التعبير عما يجول بخاطرنا ضد الآخرين، لهذا كان مباغتا وصادما للجميع، ذلك الاصطفاف الذي حصل لحظة الثورة السورية، الاصطفاف الطائفي، الذي أخذ معه عددا كبيرا من المثقفين والمبدعين السوريين، فتحول خطابهم إلى خطاب طائفي أو خطاب براغماتي طائفي مغلف بقشرة وطنية، ربما يحتاج السوريون إلى سنوات طويلة لتحليل هذه الظاهرة: الانقلاب من خطاب يومي ثقافي وتعايشي وتشاركي وعابر للطوائف إلى خطاب طائفي ومذهبي رافض للآخر، والحديث هنا دائما عن المثقفين لا عن عامة الشعب، للعامة شأن آخر يستدعي التفهم بسبب فعل الاستبداد الطويل.
الصدمات التي أرسلها مثقفون سوريون انحازوا لخطابات طائفية بعد انطلاق الثورة، لم تكن أكثر من الصدمات التي أرسلها مثقفون عراقيون مقيمون في دمشق أو أقاموا فيها مدة من الزمن، فجأة بدأت المزايدات علينا وشتمنا من قبل أصدقاء عراقيين باعتبارنا خونة وعملاء لأميركا وإسرائيل ودول النفط التي تحيك مؤمرات على سوريا حسب تعابيرهم، فجأة بدؤوا يستخدمون ضدنا نفس الخطاب الذي استخدمه نظام صدام حسين وموالوه ضدهم، كانوا هم أيضا ذات يوم خونة وعملاء لكل الدول ضد العراق!.. هل يستعير الضحية خطاب جلاده في لحظة الامتحان الأخلاقي الكبير؟!.. كانت الثورة السورية هي هذا الامتحان الأخلاقي بالنسبة للسوريين ولباقي العرب، الامتحان الذي سقط فيه كثيرون، إذ لا يختلف المثقف العراقي الذي هرب من بطش صدام حسين والذي يؤيد نظام الأسد لأسباب مذهبية عن السوري الذي هرب من بطش الأسد ويرى في صدام حسين بطلا وضحية مؤامرة كبرى لأسباب مذهبية.. أي: الجذر واحد، هو الهوية.. ما قبل الهوية الإنسانية والأخلاقية، الهوية القاتلة والفاضحة.
ما الذي أعاد إلى ذاكرتي اليوم أصدقاء عراقيين كشفتهم الثورة السورية؟! ربما هي تداعيات الذاكرة التي تحدث كل عام في مثل هذه الأوقات من السنة، ذكرى انطلاق الثورة السورية المغدورة، التي امتلكت قدرة الكشف والفضح منذ انطلاقها، ليس على مستوى سوريا فقط بل على مستوى المنطقة والإقليم وربما العالم.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران