كتاب وأراء

خلايا النازية النائمة ومخاطرها

هي أحد بلدي قارة أوقيانوسيا التي تقع بين آسيا والاميركتين، فلا يوجد في هذه القارة النائية عن منطقتنا الا استراليا ونيوزلاندا، والبلدان يرفلان في جغرافيا تفوق بكثير عددي سكانهما المحدودين، واتساع المساحة الجغرافية قياسا على عدد السكان في نيوزلاندا اضاف لبعدها الجغرافي والكلفة العالية للطيران إليها سببا آخر لتمتعها بهدوء جميل يحكي عنه من زاروها وتمتعوا بمناظرها الخلابة، ومن ثم فإن بلدا مليئا بالخيرات المزروعة في أراض شبه بكر ولم تستهلك كما استهلكت الأراضي الزراعية في منطقتنا منذ آلاف السنين كان نقطة جذب تشجع على الهجرة اليها، والهروب من التلوث وصخب الحياة في الشرق الاوسط إلى بلد جميل وهادئ ومسالم ويقع في شبه عزلة عن عالم يعيش صداع أزمات دامية وزاعقة ومنفرة.
وربما أن كثيرين منا لا يعرفون عن نيوزلاندا الا من خلال مكعبات الزبد الفاخر بالهايبرماركتات التي يبرع هذا البلد الجميل في انتاجها، أو من خلال خراف الضآن التي تشبه إلى حد كبير الخراف الاسترالية، وإلا من خلال انواع من الأجبان اللذيذة التي ترد إلى الاسواق العربية، وقد بلغت جودتها انها كونت زبائن لها يداومون على ابتياعها.
ولكن حالمين عربا هاجروا وعاشوا في أمان وسلام بنيوزلاندا ذهب إلى عقر مهجرهم، بل وخلال صلاتهم إلى العلي القدير في مسجدين لهما قدسيتهما هذا الارهابي المتوحش الذي انهمك قتلا وسفكا لدماء أطفال وابرياء بدم بارد، في حادث هو الأبشع في كل تاريخ نيوزلاندا التي لا تعرف هذا الصنف من الارهاب البشع.
نذالة هذا الإرهابي السفاح تتجلى أيضا في انه انتقى مسرحا لجريمته لا يعرف قلقا من الإرهاب كما تعرفه منطقتنا، ولا ترتفع فيه وتيرة الإجراءات الأمنية على نحو ما هو موجود في كل دول الاتحاد الاوروبي والاميركتين والقارة الصفراء، ولهذا اظن ان وقع جريمة هذا الارهابي على نيوزلاندا ضعف وقع أي جريمة إرهابية في بلاد شهدت جرائم إرهابية مروعة وتتعايش مع استنفار أمني طول الوقت، وإلى درجة ان موقع «نيوزيلند هيرلاد» النيوزيلندي كشف عن مفاجأة صاعقة حيث قال إن مكتب رئيسة الوزراء، جاسيندا أرديرن، حصل على نسخة من بيان منفذ «هجوم المسجدين» في مدينة كرايست تشيرتش، والمكون من 73 صفحة، قبل عشر دقائق من تنفيذه الهجوم الإرهابي الدموي، إلى جانب 70 مستقبلا آخر، من بينهم سياسيون ووسائل اعلام محلية وعالمية، ومع ذلك لم يحرك هذا البيان الخطر جدا أيا من الأجهزة الامنية، فالناس لا يعرفون القلق ولا يتوقعونه
وفي تودد أظنه تماحيك مفتعلة أو خوف من ذات المصير قررت الجالية اليهودية في نيوزلاندا اغلاق معابدها يوم السبت التالي لوقوع الحادث، لاول مرة في تاريخها، وتضامنا مع الجالية المسلمة في البلاد.
وما يبعث على القلق ان هذا السفاح زار مصر وتركيا وباكستان ودول اخرى قبيل اقترافه جريمته، وأن جدته عبرت عن «عدم تصديقها» ارتكاب حفيدها مثل هذه المجزرة البشعة، ووصفته بأنه «ولد طيب»، ما يعني ان النازيين الجدد أو ذوي الرؤوس الحليقة كما يطلق عليهم البعض اناس يمكن ان يخدعوا كل من حولهم ويتحولون إلى قنبلة في المكان الذي يستهدفونه، وما يعني ايضا انهم كما الخلايا الإرهابية النائمة، وينطلقون في جرائمهم ليس ردة فعل للاسلاموفوبيا كما يظن، ولكنهم يقترفون جرائمهم انطلاقا من ايديولوجيا إقصائية مريضة، ورغم ذلك ففي عام 2014 امتنعت 55 دولة من الاتحاد الأوروبي عن التصويت على قرار أممي روسي يدعو الدول لاتخاذ التدابير اللازمة لمنع «تمجيد» النازية وجميع أشكال التفرقة العنصرية والتعصب!
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي