كتاب وأراء

مذبحة نيوزيلندا.. الإرهاب الأبيض! «2-3»

ولو أضفنا لهذا قيام الإرهابي بالاستماع لأغنية باللغة الصربية تمجد رادوفان كاراديتش الملقب بسفاح البوسنة وكتابته على السلاح «اللاجئون أهلًا بكم في الجحيم» وتأثره بآراء الرئيس الأميركي «ترامب» كل ما سبق يؤكد أنه متشبع بثقافة مناصرة للهوية الغربية المسيحية وتفوق العرق الأبيض على ما سواه.
وأن كل من يعيش في الغرب من غير ذوي العرق الأبيض هم غزاة ومحتلون يجب القضاء عليهم قبل أن يقوموا بتغيير الهوية والثقافة الغربية حسب اعتقاده وهو ما يقودنا إلى أن الخطاب العنصري الذي تنتهجه الجماعات والأحزاب والحركات اليمينية المتطرفة قد وصل إلى مرحلة خطرة تنذر بأن القادم ربما يكون أسوأ وأن هذه التيارات أصبح لها مناصرون مستعدون لتنفيذ أجنداتها بالطريقة الدموية والمسلحة.
لكن من ناحية أخرى تلك المذبحة البشعة تشير إلى معادلة ينتهجها الغرب وهي دعمه للأنظمة الديكتاتورية والقمعية في المنطقة العربية والإسلامية ومحاربة أي ثورة أو فكرة أو حركة أو دولة تدعو لاستقلالية القرار العربي والإسلامي وبذل كل الجهود الممكنة لإبقاء المنطقة رهينة السيطرة والابتزاز الغربي عبر تلك الأنظمة السلطوية التي تذيق شعوبها شتى صنوف القهر والقمع والاستبداد وهو ما يؤدي بالتبعية لغياب حقوق الإنسان والحريات وضعف وتخاذل مواقف تلك الدول في صون وحماية مواطنيها ونتج عن هذا هوان المواطن على حكومته فكيف سيقيم له وزن من يخالفه في الفكر والدين والعقيدة والثقافة وذهاب بعض قادة تلك الدول مثل الإمارات ومصر على سبيل المثال لا الحصر لتحذير الغرب من المساجد في القارة الأوروبية وخطورة تركها دون مراقبة وكونها مدارس يخرج منها المتطرفين والراديكاليين والإرهابيين وهو ما يمثل خطورة على أوروبا، ويتحججون بأن دولهم وأنظمتهم تبذل أقصى جهدها لمحاربة هذا الفكر المتطرف ودرء خطره عن العالم لذا من الواجب على الغرب دعمهم والتحالف معهم لمحاربته، وهناك أيضًا تطور ظاهرة الإسلاموفوبيا لتدخل مرحلة جديدة هي العداء المباشر والصريح للإسلام والمهاجرين آخذة في الانتشار بشكل متزايد في الغرب عبر خطاب إعلامي وسياسي يصور المسلم إرهابي حتى يثبت العكس والمهاجر هو شخص قدم من وراء البحار والمنطقة العربية للغرب ويسعى للاستحواذ على الوظائف والامتيازات والرفاهية التي هي حق أصيل لمواطني الدول الغربية وليس لهذا المهاجر الدخيل أي حق فيها متناسيًا أنه لولا دعم الدول الغربية للأنظمة القمعية والسلطوية في الشرق الأوسط ومساعدتها على سحق أي مطالب مشروعة لشعوبها وغض البصر لما تقوم به تلك الأنظمة من قمع وقتل وتعذيب وحروب لما فكر مواطنوها في الهروب من دولهم والتوجه للغرب طمعًا في النجاة بأنفسهم والعيش في أمان مع ذويهم، ورسم وتصوير الصراع على أنه صراع هوية وثقافة ويتم الدفع والترويج لهذا عبر تأطيره بأن الغرب يتمثل في المواطن الأبيض والذي يمثل المسيحية «في إطار هوياتي وليس دينياً» والمهاجر والذي يمثل العرب والمسلمين «في إطار هوياتي وديني» كون الدين في الأنظمة الغربية الرسمية لا يمثل أساساً يتم بناءً عليه التفرقة بين المواطنين أو المهاجرين ولكن يتم الحشد لدى بعض الجهات والأحزاب والحركات عبر الهجوم على الدين الإسلامي وخطورته وأتباعه على القارة العجوز ووجوب التصدي لمن يطلقون عليهم المتطرفون الإسلاميون وهو هجوم في اتجاه واحد نظرًا لتراجع أهمية ومكانة الدين لدى شرائح واسعة من الشعوب الأوروبية التي تشبعت بالعلمانية وبالتالي اللعب على وتر العداء بين الدين الإسلامي والذي يمثله الشرق والدين المسيحي الذي تمثله أوروبا لن يكون ذا جدوى، ولذا يتم دومًا وبطرق شتى مباشرة وغير مباشرة التركيز على ضرورة الحفاظ على هوية أوروبا والغرب من التغيير على يد أفواج اللاجئين والمهاجرين ولا يمكن إنكار تنامي هذا التيار المتشبع بالقومية الأوروبية والمعادي لما غيرها في دول أوروبية رئيسة ومؤثرة مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وهولندا وخطاب الرئيس الأميركي «ترامب» المهاجم للمسلمين والمهاجرين بصفة مستمرة منذ بداية حملته الانتخابية وحتى اليوم.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري