كتاب وأراء

أزمات الشرق الأوسط والسباق مع الزمن

على أسوار الفلوجة توقف جيش الحكومة العراقية وبرفقـته مستـشاره قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني يقود ميليشيات طائفية ومن فوقهم الطائرات الأميركية تمشط لهم الطريق وتحرق كل من يشكل خطرا على البند الأول من المخطط الأميركي والذي يقضي بإشعال حروب طائفية لا تبقي ولا تذر! وعلى أسوار منبج توقفت ميليشيات سوريا الديمقراطية (قوات الحماية الكردية ومعهم بعض العرب الضائعة) ومن فوقهم الطائرات الأميركية والروسية تمشط لهم الطريق وتحرق كل من يشكل خطرا على البند الثاني من المخطط ذاته والذي يقضي بالعمل على احياء المشاعر القومية والأحلام الانفصالية عند أقليات الشرق الأوسط!
وعلى أسوار خان طومان توقف الجيش العربي السوري! ومن معه من ميليشيات منقولة ومن فوقهم طائرات روسية تمشط لهم الطريق وتحرق كل من يشكل خطرا على المخطط الأميركي-الروسي المشترك والذي يقضي بالإبقاء على من يخدم مصالح دول الاستعمار الجديد حتى لو قضى على الشعب بأكمله!
يقال دائما إن الوقت من ذهب لكن في سوريا والعراق يـبدو إن الوقت من نار! تسارع الحشود والحرص على الاقـتحام بالقوة سواء بالنسبة للفلوجة أو داريا أو الغوطة وكذلك الحرص على تركيع حلب.. كل ذلك ينبئ أن هناك سباقا مع الزمن لتحقيق مكاسب استراتيجية في عهد باراك أوباما الذي سيغادر البيت الأبيض في يناير 2017 م! ولن يكون له في الأشهر المتبقية من هذه السنة قوة أو عزم تمكنه من تحقيق نجاحات حاسمة. وتدل كذلك على أن التبريد السياسي الذي أستمر طويلا قد أٌستبدل بالتسريع العسكري لحسم الأمور وفق الاتـفاق الثلاثي (الأميركي-الروسي-الإيراني) وذلك مخافة أن يحصل أية تطورات قد تغير من الأوضاع على الأرض أو في الغرف السياسية!
ومن الواضح أن هناك مجاهرة بالدور الإيراني سواء في العراق أو في سوريا وهي مجاهرة مقصودة جعلت الدول المتضررة من التدخل الإيراني تضرب أخماسا في أسداس وتـشعر أنها قد تأخرت كثيرا في فهم استحقاقات الاتـفاق النووي الأميركي الإيراني وتطبـيقاته على الأرض العربية! في العراق وكذلك في سوريا لم يعد هناك أدنى درجة من الخجل لإبراز والتباهي بمشاركة ليس الحرس الثوري الإيراني فحسب بل حتى ميليشيات أفغانية وباكستانية وعراقية وحزب الله اللبناني وحزب الله الفلسطيني (الجبهة الشعبية) وحزب الله النيجيري ومرتزقة من كل ركن في هذا العالم المتوحش!
وعلى نفس المنوال، هناك مجاهرة واضحة مصحوبة بالفخر والتعالي حول الدور الروسي في سوريا حيث يدشن الروس كل وجبة قصف على رؤوس الناس الأبرياء العزل بكثير من المفاخرة والمديح للقوة والتكنولوجيا الروسية التي تزمجر بدون متحدين رئيسيين بعد غفوة الأتراك الطويلة! فعلا هذا أمر عجيب وقد وصلت البجاحة بالروس إلى حد قصف المستشفيات الأممية مع سبق الاصرار والترصد ولا يوجد اعتراض أو قلق حتى أعضاء الأمم المتحدة أو مجلس الأمن استمرأوا غض الطرف عن الوحشية الروسية وطفقوا يفـتـشون عن مواضيع حقوقية صغيرة وأزمات تعويضية في مناطق أخرى بعيدة!
ومع هذه المجاهرة والبجاحة يخيم صمت مطبق وتململ واضح على الدول التي لا توافق على خطة الاقتحام الطائفية في الفلوجة أو على خطة تمكين الأكراد في الشمال السوري خاصة تركيا ودول الخليج! قراءة الأحداث تبين أن ردة فعل هذه الدول ضعيفة جدا وبدأت تـفقد المبادرة أو هي فقدتها فعلا فقد أصبح الحديث الآن عن المنطقة الأمنة التي اقـترحتها تركيا وكأنه أضغاث أحلام وتضاءلت قدرة تركيا الفعلية على منع الاتصال الكردي بين عفرين وعين العرب ما يشكل تحديا كبيرا للأمن الوطني التركي! أما في الفلوجة فمن الواضح وجود شلل تام عند الساسة السنة العراقيين وكذلك بعض الدول ذات العلاقة فلم تعد تستطيع منع الزج بالحشد الشعبي الشيعي الذي يفتك بالسكان الأبرياء ويمارس حربا طائفية معلنة!
وهذا يأتي بنا إلى الفرق بين الاستراتيجية الأساسية والاستراتيجية الثانوية (إن صح التعبير)! استراتيجية أميركا وبديلها الروسي هي استراتيجية أساسية والوقائع على الأرض تسير أو تٌسير لتحقيق هذه الاستراتيجية أما الاستراتيجية التركية فهي استراتيجية ثانوية تـنـتظر موافقات وتوافقات وأشواطا طويلة من المفاوضات لكي تسير ولو بالحد الأدنى! والمشكلة هنا هي أنه رغم ضعف الدفع الاستراتيجي عند الأتراك إلا أنهم لم يٌتركوا طليقي اليد فما زالت التـفجيرات في المدن والتجمعات السكانية تعكر مزاجهم المدني والاشـتباكات العسكرية والتحدي الكردي في الجنوب يعكر مزاجهم العسكري ومازال الطريق طويلا وموحشا لتحقيق منطقة أمنة بأي شكل أو حتى توفير الحماية للسوريين المدنيين والمعارضة السورية في الشمال السوري! وبتعبير حذو القـذة بالقـذة، نجد أن دور وقدرة دول الخليج على إحداث التـغيـير لا يخـتلف كثيرا عن الدور التركي في ظل ضعف المبادرة وفقدان القدرة على التـفكير خارج الصندوق الأميركي!.
د. صنهات بن بدر العتيـبي

د. صنهات العتيبي