كتاب وأراء

«مجزرة نيوزيلندا» لا تشبه الجرائم الأخرى .. هل يستفيد العالم من الجريمة ؟

لا تشبه جريمة نيوزيلاندا الإرهابية، التي حصلت ضد المصلين المسلمين في جامعين من جوامع نيوزيلاندا، أية جريمة إرهابية أخرى حصلت في بلاد العالم خلال السنوات الماضية، ليس فقط لأن نيوزيلاند، كما توصف، بلاد تشبه الجنة من حيث طبيعتها وهدوئها ونسبة الأمان المرتفعة جدا فيها، ولا لأنها في آخر العالم كما يقال وبالكاد يذكرها أحد، بحيث يصعب التخيل ان يد الإرهاب يمكن أن تصل إليها، ولا لأن مرتكبها، الاسترالي الجنسية، هو رجل أبيض مسيحي متعصب، ولا بسبب البيان الغريب الذي نشره قبل ارتكابه لجريمته، ولا أيضا بسبب الإيحاء بأنه يقوم بواحدة من ألعاب الفيديو الشهيرة التي تروج للعنف والقتل،
(بات معروفا أن إنتاج هذه الألعاب تقف خلفه شركات ومافيات السلاح في العالم، بحيث يغزو العنف عقل الأطفال حول العالم، وبحيث يصبح السلاح أداة للتباهي بالقوة، يمكن ان يستخدمه أي متطرف يعادي آخرين بسبب اختلافه عنهم في العرق أو في الجنس أو في القومية أو في الدين، وهو ما بات سمة عصرنا الحديث في كل العالم للأسف).
تختلف جريمة نيوزيلاندا عن غيرها لأنها أولا: أول جريمة كبيرة تصنف بالإرهابية دون أن يكون مرتكبها ينتمي إلى أحد تنظيمات الإسلاميين المتطرفين، إذ اعتدنا أن تصنف الجرائم التي يرتكبها متعصبون بيض ومسيحيون ضد آخرين ضمن الجرائم الفردية التي يرتكبها مرضى نفسيون، وثانيا: لأن (برينتون هاريسون تارانت) مرتكب الجريمة، برر جريمته بسبب كرهه للمهاجرين، الذين يريدون، حسب زعمه، تغيير هوية المجتمعات الأوروبية والأميركية، متجاهلا تماما أنه هو شخصيا سليل مهاجرين جاؤوا إلى أستراليا وأميركا ونيوزيلاندا، وارتكبوا الفظائع ضد سكان هذه البلاد الأصليين، واستوطنوا البلاد وغيروا طبيعتها وهويتها، وبالتالي يمكن لأي أحد من سلالة السكان الأصليين أن يرتكب جريمة ضد المستوطنين، المهاجرين منذ زمن، بذريعة كراهية المهاجرين الذين غيروا طبيعة البلاد. وثالثا، لا تشبه ردود الأفعال التي حصلت في نيوزيلاندا ردا على الجريمة أي رد فعل آخر في أي من البلاد التي اتركبت فيها جرائم إرهابية مشابهة.
إذ أثب موقف النيوزيلانديين عموما، والحكومة النيوزيلاندية برئاسة جاسيندا أردرن، أن الديمقراطية الحقيقية وحدها من يضمن العدالة والمساواة في أي مجتمع كان، لم تتوان الحكومة مباشرة عن اعتبار الجريمة عملا ارهابيا ارتكب ضد مواطنين نيوزيلنديين، الهوية الدينية هنا لا معنى لها، لا يهم إن كان الضحايا مسلمين أو غير مسلمين، ولا إن كان القاتل مسيحيا أبيض أو غيره، المهم هنا هو هوية المواطنة، جريمة تم ارتكابها ضد مواطنين، لا يمكن اعتبارها سوى عمل إرهابي دافعه الكراهية، ولا يمكن سوى التعاطف إلى الحد الأقصى مع الضحايا، إلى درجة نقل الأذان في الجمعة التالية عبر الإذاعة النيوزيلاندية، وارتداء رئيسة الحكومة للحجاب الإسلامي اثناء تأبين الضحايا، هذا عدا عن مشاركة آلاف النيوزيلنديين، المسيحيين، في صلاة الجنازة في المسجد المستهدف، وحماية المصلين في باقي المساجد، في مشهد قلما حصل مثله في العالم الحديث الذي تعممت فيه الكراهية والخوف من الآخر إلى حد الرعب الحقيقي.
وبعيدا عن المتسبيين بكل هذه الكراهية القاتلة المنتشرة حول العالم، من منظومات سياسية واقتصادية، تحكم العالم ومستعدة لإبقائه على فوهة نار الحروب والقتل دائما، ضمانا لمصلحتها، فإن جريمة نيوزيلاندا يمكنها أن تكون بداية جديدة للعلاقة بين الشرق الذي يصدر المهاجرين، والغرب المستقبل لهم، ويمكنها أن تنبه الحكومات الغربية إلى الخطاب اليميني العنصري الذي يتم استخدامه سياسيا دون حساب ما يتركه من أثر لدى مراهقين يمكن لعقولهم ان تتغذى بأي خطاب! ربما أيضا ستنبه الجريمة الحكومات الغربية إلى حجم الكارثة الحاصلة في دول المشرق التي تحدث منها الهجرات، الواقعة تحت ظل أنظمة قمعية استبدادية أمنية تفتك بمواطنيها إلى أقصى حد ممكن، فلا يجدهؤلاء سبيلا سوى الهرب إلى أمكنة توفر لهم حقوقهم الإنسانية مثل باقي البشر، ربما سينتبه حكام العالم الغربي على ضرورة وقف دعم هذه الأنظمة والصمت عن جرائمها اليومية المتزايدة، وربما أيضا ستجد هذه الحكومات آليات جديدة ونافعة لثقافة الاندماج بين المهاجرين واللاجئين وبين المجتمعات التي يلجؤون إليها، طالما هناك قوانين تكفل حق اللاجئ بالحماية والأمان، وربما أيضا ستغير هذه الجريمة في مفهوم التفوق العرقي الذي ما زال موجودا حتى الآن في الغرب، والذي يسبب حالة عداء كامنة في قاع تلك المجتمعات تتوهج وتلتهب في الازمات السياسية العالمية وتسبب كوارث متلاحقة لن تكون جريمة نيوزيلاندا ولا جرائم الاسلام المتطرف التي حدثت في أوروبا سوى أرقام في سلسة جرائم طويلة وعنيفة قد تحدث إن لم يتم الاستفادة، دوليا، من بيان برينتون تارنت وطريقة ارتكابه للجريمة.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران