كتاب وأراء

إرثنا الأصيل وتاريخنا العريق

إرثنا الأصيل وتاريخنا العريق

قطر صارت أقوى بإنسانها وثقافتها وانفتاحها وإيمانها بالحوار ومضيها في خطط التنمية والبناء على طريق مشروعها الحضاري.
هذا هو فحوى رسالة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، للعالم، عندما تفضل فشمل برعايته الكريمة حفل افتتاح متحف قطر الوطني في مبناه الجديد، مساء أمس.
لقد جاءت كلمة صاحب السمو لتعبر بشفافية عالية عن مجموعة من القيم الأساسية التي لطالما شكلت نبراسا لوطننا وشعبنا، وجاء المتحف الوطني بحلته الجديدة ليكون منارة إشعاع، نستزيد منها جميعا مواطنين ومقيمين وزوارا، بحيث يكون وسيلة للتعرف على ماضي قطر وحاضرها وما تتطلع إليه مستقبلا.
فكما قال سموه، حفظه الله: «نحن لا نفعل ذلك لنخزن فيها مجموعة المقتنيات الفنية، ولا لعرض الماضي، بل من أجل تنوير الجمهور في قطر ومقيمين وزوار، بماضينا وحاضرنا ومكاننا في العالم. فالمتحف يعرض صياغتنا لماضينا وبيئتنا وتجاربنا في منظور الحاضر. ولهذا فهو صياغة لهويتنا الثقافية العربية القطرية. ليست المتاحف مخزنا للماضي بل هي حاضرنا متجسدًا في كيفية قراءة تاريخنا ومكاننا ضمن الإنسانية عموما».
وكان لافتا أن يبدأ سموه كلمته بالإشادة بمبادرة سمو الأمير الوالد بتوسعة المتحف، وقبل كل شيء برؤيته وإطلاقه مسيرة تتناسج فيها الحداثة مع حضارتنا العربية والإسلامية، والتراث القطري، وهي الرؤية التي ستبقى على مر التاريخ محفوظة لصاحب السمو الأمير الوالد الذي أرسى قيم الانفتاح والحوار والبناء مع الحفاظ على هويتنا الوطنية وترسيخها وتكريسها.
لقد أوضح سمو الأمير المفدى الهدف الأسمى لهذا المنجز الحضاري الجديد: «نريد عبر المتاحف والمؤسسات الثقافية الأخرى توفير مناخ للحوار مع الذات ومع الآخر، بما يمنح شعبنا صوتًا مستنيرًا في رسم مستقبلنا».
فالمتاحف، كما قال سموه، ليست لتخزين مجموعة المقتنيات الفنية، ولا لعرض الماضي، بل من أجل تنوير الجمهور في قطر ومقيمين وزوار، بماضينا وحاضرنا ومكاننا في العالم. فالمتحف يعرض صياغتنا لماضينا وبيئتنا وتجاربنا في منظور الحاضر. ولهذا فهو صياغة لهويتنا الثقافية العربية القطرية. ليست المتاحف مخزنا للماضي بل هي حاضرنا متجسدًا في كيفية قراءة تاريخنا ومكاننا ضمن الإنسانية عموما، ومن خلال برامجه ومعارضه التعليمية، سيقدم إضافة كبيرة إلى المشهد الثقافي المتنامي في قطر، بما في ذلك مؤسساتنا الجامعية وإعلامنا التعددي، ومكتبتنا الوطنية التي تحتوي على مليون كتاب بمبناها المتميز الذي افتتحناه العام الماضي، والمعرض السنوي للكتاب والمهرجانات والأنشطة الفنية العديدة في كتارا والأسواق القديمة والمعارض الفنية، والعديد غيرها من المؤسسات والمبادرات الأخرى.
والكلمات تعجز عن التعبير بالشكر والتقدير للفريق المبدع الذي أشرف على هذا المشروع الحيوي التاريخي، وعلى رأسهم سعادة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني رئيس مجلس أمناء متاحف قطر، لما بذلوه من جهد جبار على مدار عشر سنوات لإظهار هذا المشروع من الورق إلى النور.
هذه المنارة هي أكثر من إشعاع معرفي، إنها فضاء رحب للحوار وتبادل المعارف والآراء والتجارب، تضعنا أمام البدايات الأولى والرحلة الأولى لشعبنا وهو يتلمس طريقه نحو المعرفة والبناء، ولم تكن هذه الرحلة سهلة على الإطلاق وهذا ما يقدمه لنا المتحف وهو يروي لنا قصص الغوص ورحلات التجارة عبر البحار طلبا للرزق، وطلبا للمعرفة أيضا.
لطالما لعب تراثنا دورا محوريا في تشكيل هويتنا الوطنية العربية الإسلامية، ولطالما كان هذا التراث الغني بمثابة الوعاء الحضاري الذي غرفنا منه ونحن نتطلع إلى المستقبل، واليوم صار لهذا التاريخ سجل غني سوف يشكل منبعا للإلهام ومصدرًا حيويا للإبداع، ذلك هو متحفنا الوطني، إرثنا وتاريخنا العريق كما وصفه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى عشية قيام سموه بافتتاح أحد أهم المعالم الثقافية والتاريخية لقطر.
نعم هو إرثنا وتاريخنا الذي صنع لنا شجرة الحاضر المثمرة، تسري في أغصانها وأوراقها حكاية شعب توارث عبر الأجيال مجموعة القيم العالية التي نفخر بها ونستمد منها رؤيتنا للمستقبل المنشود.
في جنبات «وردة الصحراء» يفوح عطر تراثنا الغني، مقتنيات مادية، ووثائق، وكتابات، وغيرها كثير تعبر كلها عن روحنا، ونبض حياتنا وثقافتنا، فيه عودة للينابيع الأولى الصافية التي ارتوينا منها أعمق القيم وأكثرها أصالة والتي شكلت ما نحن عليه اليوم.
التراث هو تراكم خبرة الإنسان في علاقته مع الأرض والآخر، فرداً كان أم جماعة، لصياغة التاريخ واستلهام تجارب ماضيه، وعيشه في حاضره، وإطلالته على مستقبله، ذلك هو متحفنا الوطني، جدار متين لحفظ هويتنا، ومحرّك لها في الاستمرارية والوجود واستشراف المستقبل.
في المتحف الوطني نقف أمام ركيزتين سوف تُعرفّان الأجيال، والعالم، بموروثنا الثقافي التاريخي:
أولهما: الملموس المادّي ممّا أنتجه واستخدمه الأولون من مبانٍ وأدوات.
ثانيهما: التراث غير الملموس من عادات وتقاليد وقيم.
وبهذين العنصرين معا سنكون أمام هوية قطر وذاكرتها، وهو ما يفصح عنه هذا المعلم الهام والاستثنائي.
فمن القطع الأثرية كالنقود والحلي والأواني والأسلحة القديمة، إلى الوسائل الشخصية التي اعتاد الناس على استخدامها في حقب مختلفة، سنقف على إرث شعبنا الغني، وسيعرف العالم أن قطر منتج أساسي للمعرفة والثقافة والفنون والإبداع، وأن كل ما تزخر به اليوم إنما يعود إلى جذور ضاربة في التاريخ، أساسها إبداع عفوي أصيل، يحمل ملامح شعبنا، ويحفظ سماته، ويؤكد عراقته، ويعبر عن هويته.
هذا المتحف مرآتنا، تعكس حضارتنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا، وهو ملهمنا لمحاكاة تجارب الأجداد والسير على هدي قيمهم الرائعة وأخلاقهم العظيمة، إنه سجلنا التاريخي، وأداتنا للنهوض بالحاضر والإعداد للمستقبل، وهو بهذه المعاني جميعا ليس مجرد متحف، بقدر ما هو حصيلة تجربة إنسانية عميقة وثرية، اتسمت بالعطاء والجهد والكد، لنكون ما نحن عليه اليوم.
افتتاح متحف قطر الوطني يأتي بعد يومين فقط من تفضل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، بافتتاح محطة أم الحول للطاقة، التي تشكل إضافة نوعية على طريق تحقيق الأمن الكهربائي والمائي، بطاقة انتاجية تبلغ 2520 ميغاوات من الكهربـاء، و136 مليونا و500 ألف غالـون يومياً من المياه المحلاة، تلبي 30 بالمائة من احتياجات البلاد من الطاقة الكهربائية، و40 بالمائة من احتياجاتها من المياه المحلاة، وبعد مجموعة كبيرة من المشروعات التي تستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي خاصة في موضوع الغذاء، حيث النهضة تسير بخطى متسارعة على كل صعيد، على الرغم من الحصار الجائر الذي يستهدف أمننا واستقرارنا وسيادتنا، ومتحف قطر الوطني إنجاز هائل آخر حيث النجاحات تتواصل والحلقات تتكامل لنهضة شاملة في مختلف المجالات الزراعية والصناعية والاستثمارية والفنية والرياضية، وكان آخر إنجازاتنا فيها كأس آسيا.
متحف قطر الوطني هو البوتقة التي تنصهر فيها كل هذه الإنجازات من المعارف والتصورات والممارسات الفكرية والمادية لدى الإنسان القطري في محيطه الاجتماعي، وهو الهوية الثقافية والحضارية التي تعبر عن ماضيه وحاضره ومستقبله.

محمد المري