كتاب وأراء

ترامب يذهب إلى الهدف السياسي دون مراوغة اللعب ع المكشوف ! - «2 - 2»

وبالعودة للساحة العربية والشرق الأوسط وهما عماد المسرح الرئيس لانتصارات ترامب وتجديد إعلان الهيمنة الأميركية على الساحة السياسية الدولية - وإن كان هذا يتم برعونة ترامب المعتادة والمتقمص لدور الكاوبوي الأميركي- ولها ما بعدها من عواقب ونتائج، فقد انسحب من الاتفاق النووي مع إيران منفردًا وضرب عرض الحائط بآراء شركائه الأوروبيين وفرض عقوبات عليها رفضتها الدول الأوروبية لكن خضعت لها الشركات والمؤسسات الاقتصادية بطريقة أو بأخرى.
وهناك ثابت آخر نسفه ترامب وهو موقف الحكومات العربية من التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي خرج من الخفاء إلى العلن وبطريقة فجة ومستفزة لمشاعر شعوبها، ولقد قام ترامب حرفيًا بالجمع بين متناقضات يصعب على غيره الجمع بينها فهو الداعم بشدة للكيان الصهيوني وتتوالى قراراته التي هي بمثابة الهدايا الثمينة له وفي نفس الوقت قام بعقد صفقات اقتصادية قياسية مع الدول العربية وفي مقدمتها السعودية والتي ترتب عليها انتعاش الاقتصاد الأميركي بطريقة ملحوظة نتج عنها انخفاض مستوى البطالة وخفض أسعار الوقود وبالتبعية انخفاض أسعار سلع أخرى وهو ما ساهم في ارتفاع شعبيته وتنامي شريحة المؤيدين لخطابه العنصري بطريقة باتت تقلق غالبية الساسة الأميركيين بمن فيهم أعضاء الحزب الجمهوري نفسه، وفي نفس الوقت توضح أن ما يقوم به ترامب ليس قرارات شخص منفرد بل هي نتاج مؤسسي، فطريقة الحكم والدستور الأميركي لا تسمح بتغول الرئيس مهما كانت شعبيته بين الجمهور الأميركي بل خاضعة لحسابات وقواعد وقوانين غاية في الصرامة والتعقيد.
إن كانت هناك حسنة تذكر لترامب، فهي أن سياساته وقراراته المتعلقة بالمنطقة العربية والشرق الأوسط بوجه عام، أثبتت بطريقة واضحة وقاطعة انفصال غالبية حكام المنطقة عن شعوبهم وعن مدى الفجوة بينهم واتساع هوة الخلافات والشقاق بين دولهم وهو ما يسمح للكيان الصهيوني والقوى الإقليمية الأخرى بأن تصول وتجول في المنطقة وتفعل ما تشاء للحصول على مكتسبات سياسية واقتصادية بل وحتى جغرافية على حساب الدول العربية، وأصبحت المنطقة برمتها محل استقطابات وتحالفات القوى المتصارعة على الساحة الدولية وباتت مجرد أدوات يتم استخدامها في هذا الصراع دون أي مكاسب تذكر وإن كان هناك فهو مجرد الحفاظ على بقائها مهما كان الثمن باهظًا وفادحًا.
لا يمكن بأي حال من الأحوال لوم ترامب ونتانياهو، فمن يجد فرصة لتحقيق مكسب سياسي أو اقتصادي للدولة التي يمثلها فهو بالتأكيد لا ينتمي لعالم السياسة في شيء، لكن اللوم الحقيقي يقع على صاحب الحق ويمتلك من الأوراق والموارد ما يمكنه من الحفاظ عليه ولكن يتغافل عنها أو يسيء استخدامها بما يخدم مصالحه الشخصية أو دولته فقط دون النظر للبقية في وقت أصبحت فيه غالبية الدول العربية بمثابة جزر منعزلة عن بعضها البعض ما يفرقها بفعل حكامها أصبح أكثر مما يجمعها ولا تدرك النخب الحاكمة أن الضمان الحقيقي للاستقرار هو وحدة الصف العربي لا شقه وتفتيته، لكن يبدو أن هذا مطلب صعب المنال في دولنا العربية الغارقة في صراعات وخلافات سياسية وعسكرية واقتصادية بل واجتماعية من المحيط إلى الخليج، وتعزف كل منها على انفراد بما تظن أنه يحقق لها الاستقرار ولكنه استقرار زائف ومؤقت لو لم تدرك جميعها أن ضباع العالم أجمع وعلى ما بينها من خلافات واختلافات قد اتفقت على بقاء المنطقة العربية ومقدراتها وثرواتها في خانة المستفاد منه والدافع والمحرك لموارد الغرب ويستمد الكيان الصهيوني من تلك الخلافات والانشقاقات الانخفاض المستمر لكلفة بقائه ككيان محتل وغاصب للأراضي والحقوق العربية ولا يكتفي بهذا بل يسعى وبكل قوة وبشتى الطرق للدفع بالقبول به على المستوى الشعبي بعد كسره للجمود الظاهري في علاقاته مع الدول العربية لينتقل التطبيع معه من الخفاء إلى العلن ويتمدد من قصور الحكم إلى قواعد الشعوب وهو ما لم ولن يحدث ويدرك الكيان الصهيوني هذا جيدًا ويعلم علم اليقين ربما أكثر من بعض الحكام العرب رفض الأغلبية الساحقة من الشعوب له ولتواجده، لكنه يلعب على وتر الخلافات والاستقطاب والنزاعات العربية- العربية وبدعم متواصل من القوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبفضل ترامب تم نقل هذا التحرك من الخفاء ليصبح اللعب ع المكشوف.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري