كتاب وأراء

متحفنا الوطني قصة حياتنا

في غمرة الشعور بالزهو الممزوج بالفخر لافتتاح متحف قطر الوطني، ومشاهدته بهذا المستوى غير التقليدي المتعارف عليه بالنسبة للمتاحف حول العالم فرضت عليَّ مشاعري الكتابة حوله، رغم أن أهم ما يمكن أن يقال عن هذا المتحف من حيث تصميمه وأهدافه ومقتنياته وكونه صرحا تنويريا قد تضمنته «كلمة سيدي» تميم المجد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، الذي أخذ على عاتقه جعل قطر دولة متفردة متميزة في كل شيء وقد كان، فهي الآن في صدارة الدول التي تأخذ بأساليب التحديث في القطاعات كافة أولا بأول، ولكنه التحديث المرتكز على قيم أصالتنا وأعرافنا وتقاليدنا التي نعتز بها أيما اعتزاز، وماضينا العريق الذي يبوح به متحف قطر الوطني في حلته الجديدة، كما تضمنته أيضا كلمة سعادة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني رئيس مجلس أمناء متاحف قطر في المؤتمر الصحفي بمناسبة الافتتاح، الشيخة المياسة التي عودتنا على أنها تسعى دائما إلى تعزيز دور المؤسسات الثقافية والمواقع التراثية في قطر وتجميعها كلها تحت مظلة واحدة، وعلى يديها تطورت سلسلة متاحف قطر حتى أصبحت في مصاف المتاحف العالمية، بل تفوقت عليها وسبقتها بمراحل، فكانت سعادتها مثار إعجاب كل القطريين الذين شاهدوا تطور قطاع المتاحف خطوة بخطوة ومرحلة تلو المرحلة منذ توليها مسؤوليتها، فقدمت نموذجا مثاليا لقدرات العناصر النسائية القطرية، وكيف أن المرأة في قطر تتبوأ مكانة مرموقة ليس على المستوى المحلي فقط، ولكن أيضا على المستوى العالمي بفضل علمها وجهدها ودورها في نهضة الوطن. لن أتطرق في مقالي هنا عن تصميم المتحف، ولكن يكفي القول أن مصممه استلهمه من وردة الصحراء التي تنبت في بيئتنا القطرية، ولهذا دلالة ذات أهمية تتمثل في أن المتحف قطري خالص بدءا من تصميمه وصولا إلى محتوياته التي هي من أهم عناصر هويتنا، كما لن أتطرق إلى موقعه الفريد على كورنيش الدوحة ليكون في مقدمة مستقبلي الزائرين للدولة القادمين من مطار حمد الدولي أول مرة، فقد أفاضت الصحف في الحديث حولها، ونقلت الفضائيات خلال حفل الافتتاح مشاهد كثيرة من داخل هذا الصرح الثقافي التراثي الكبير للمشاهدين حول العالم، وإنما تكفيني الإشارة إلى ما قالته سعادة الشيخة المياسة في المؤتمر الصحفي الذي سبق الافتتاح فقد قالت: لم نقيد خيالنا أطلقنا لخيالنا العنان لذلك كان نتيجة هذا الخيال الإبداعي متحفا متفردا استثنائيا غير تقليدي. سأكتفي هنا فقط بالحديث عن واحد من الأهداف أو دور من الأدوار المنوطة بمتحف قطر الوطني، ألا وهو تعميق الصلة بين تراثنا وهويتنا، وبين ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، إذ تعتبر قضية التراث والهوية الوطنية واحدة من أهم القضايا التي يتم التركيز عليها في فكرنا العربي المعاصر، كونهما يمثلان المرجع والخصوصية، فالمتحف بما يحتويه من زخم معرفي عن ماضينا يمثل كينونتنا، لأنه يعرض التراث أو الإرث الذي خلفه أسلافنا، ومن خلاله تتحدد معالم هويتنا، وهذا يستدعي منا أن تقوم المدارس والجامعات ومن قبلها الأسر والوزارات والمؤسسات بتنظيم زيارات إلى هذا الصرح التنويري الكبير، لنشر الوعي بثراء تاريخنا، والاعتزاز بماضينا وتعميق الانتماء، ولا مانع أن تكون هناك زيارات فردية يقوم بها المهتمون، فهم بلا شك سوف يجنون العديد من الفوائد، ويكتسبون الكثير من المعارف التي لها الأهمية الكبيرة في تحريك الوجدان وتنوير العقول، وأعتقد أن فوائد أو أغراض زيارة المتاحف لا تخفى على أحد ومنها على سبيل المثال لا الحصر، أغراض الدراسة والتعليم، أغراض الترفيه والتسلية، أغراض التثقيف، الاطلاع على الحضارات والعادات والتقاليد السابقة. متحف قطر الوطني خير من يحقق هذه الأغراض للزائرين، ولا شك أن زائريه سوف يسعون لتحقيق أعلى فائدة ولكي تتسنى لهم الفائدة المرجوة من الزيارة لابد من اتباع الإرشادات المكتوبة والشفوية، والاستفادة من كل ما يشاهدون، ولأن هذا المتحف يمثلنا سوف نكون أول الملتزمين بالمحافظة عليه، والحفاظ على نظافته، وعدم لمس الأشياء النادرة والقيمة إذا ما كان مطلوبا ذلك، فزيارة المتاحف العالمية التي على شاكلة متحفنا لها تقاليد عريقة موثقة في كتب التراث.
أختم بالقول إذا كان يحق للقطريين أن يفخروا بهذا الإنجاز الثقافي الحضاري الكبير، نقول لغير القطريين تعالوا شاهدوا واستمعوا لقصة حياتنا يرويها متحف قطر الوطني في حلته الجديدة، بعد أن تم تطويره وإعادة تأهيله ليليق بكفاح شعب قطر وطموحاته عبر مراحله الزمنية، حتى أصبح في مقدمة شعوب العالم اقتصاديا وتعليميا ورياضيا وبيئيا واجتماعيا، ولا يزال في جعبته الكثير، لأن طموحاته ليس لها سقف معلوم، فهو في تطور مستمر، لأن بلده قطر تستحق الأفضل منه ودمتم.

بقلم آمنة العبيدلي

آمنة العبيدلي