كتاب وأراء

مرتفعات الجولان وصورة الإناء البلاستيكي

تداول السوريون قبل أيام صورة لمجموعة من السوريين يتحلقون حول حوض بلاستيكي (طشت) موضوع على طاولة وممتلئ بتراب قيل إنه من تراب الجولان المحتل، ونصبوا في منتصف الحوض وسط التراب علما صغيرا لسوريا وكتب تحت الصورة إنها رد سوري على خطوة ترامب بوهب الجولان لإسرائيل بشكل نهائي، وتوقيعه على قرار يتضمن ذلك، وأن وضع العلم السوري وسط تراب الجولان هو لتأكيد هوية الجولان السورية، لا يوجد ما يثبت إن كانت الصورة حقيقية أم مركبة بالفوتوشوب، ولكنها، بكل الأحوال صورة بالغة الدلالة عن حال سوريا ووضعها السيادي.
كانت الصورة ستبدو مؤثرة وحماسية لو أن من فعل ذلك هم أهالي الجولان الذين يعيشون في سوريا ممن هجرتهم إسرائيل ذات يوم، وكان سيبدو المشهد بالغ الوطنية أيضا لو أن من فعل ذلك كانوا مواطنين سوريين عاديين لا صفة لهم غير سوريتهم، أما وأن من قام بهذا الأمر، في حال أن الصورة حقيقية، وصوره ونشر الصور في الصحافة الرسمية هو الحكومة السورية، فهذا لا يمكن تسميته بغير الكوميديا السوداء، فماذا يعني أن يتحلق مسؤولون وضباط جيش سوريون حول (طشت) فيه القليل من التراب وعلم لا يتجاوز ارتفاعه عشرين سم، سوى أن هذه الدولة التي يفعل مسؤولوها هذا هي دولة مهزومة وضعيفة ولا تملك أدنى مقومات السيادة، وتتفاخر بشعارات ومواقف فارغة المعنى والمحتوى ولا تجرؤ على وضع علمها في تراب يتبع لها تاريخيا وجغرافيا كما تقول!
والحال أنه منذ زمن لم يعد الجولان سورياً، منذ أن باعه الأسد الأب بعد حرب أكتوبر عام 1973، وأبقى الحدود الشمالية مع إسرائيل هادئة تماما، حتى أن ما كان يقال عن الألغام في الشريط الحدودي لم يكن سوى كذبة كبرى، كشفها شباب سوريون وفلسطينيون قرروا اقتحام الشريط يوم الأرض عام 2011، بعد انطلاق الثورة السورية، قرار ترامب الأخير لم يكن سوى تأكيد المؤكد وإعطائه الشرعية الدولية، التي تكفل لإسرائيل الطمأنينة الكاملة بأنه لن يطالبها أحد بأرض الجولان فيما لو تغير نظام الحكم في سوريا! وأهل الجولان يدركون جيدا أن النظام السوري لم يكن يوما جديا في حديثه عن الجولان بوصفه أرضا سورية، فهم يعلمون تماما أن الحدود هادئة منذ أكثر من أربعين عاما، وأنه ما من طلقة واحدة وجهت من سوريا باتجاه الجولان أو فلسطين المحتلة، ويعرفون أن قرار ترامب لن يغير شيئا في حالهم ووضعهم، لن يصبح وضعهم أكثر سوءا، وبالتأكيد لن يتحسن عما هو عليه، بل وربما رأى البعض أن وجودهم تحت الاحتلال الإسرائيلي هو شر أهون بكثير من شر النظام السوري، فإسرائيل لم تهدم الجولان فوق رؤوس سكانه حين ثاروا ضدها، كما فعل النظام السوري بالسوريين، وأيضا قد لا يكون الجولانيون مواطنين درجة أولى في دولة إسرائيل، لكنهم على الأقل يضمنون أن لهم حقوقا مكفولة، وأن هناك قوانين تطبق على الجميع،وأنهم يعيشون في دولة لديها تقاليد ديموقراطية حتى لو كانت دولة محتلة، لا دولة تدعي الوطنية وهي تمارس أقصى أنواع الاستبداد والعنف ضد شعبها، ويعلمون أن ثمة حماية دولية لهم ليست متاحة بأي حال للسوريين المتروكين لكل قوى الشر تفتك بهم وببلدهم.
وبالعودة إلى الصورة، فحتى لو لم تكن حقيقية، فهي تدل على وضع النظام السوري تماما، النظام الذي باع قديما أرضه لأعدائه، وباعها حديثا لحلفائه بعد أن دمر أكثر من نصفها بكثير فوق رؤوس السوريين وقتل منهم من قتل وهجر من هجر، النظام الذي لو أنه استخدم نفس البطش والعنف والقوة و ربع الأسلحة التي استخدمها ضد شعبه في معركة واحدة مع إسرائيل لكان حرر الجولان وربما كان حرر القدس أيضا! لكنه حتما لن يفعلها، فوجوده محمي تماما من قبل من يدعي عدائهم، هل كان ترامب ليفعل ما فعل لو لم يكن ضامنا موافقة النظام السوري وموافقة روسيا وإيران حلفاء النظام؟! قد نسمع في المستقبل القريب جعجعة تصدر من النظام في الأروقة الدولية حول الجولان أو غيره، أما الطحن فليس أكثر من مجموعة من رجال النظام يتحلقون حول إناء فارغ لم يعد فيه حتى مكان لسارية علم صغير.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران