كتاب وأراء

«الطرارة» بالإنترنت

ربما لأن الحاجة أم الاختراع فإن الشحاذين أو المتسولين دائمو ابتكار الوسائل التي تعينهم على حصد الكثير من العطايا أو الهبات، رغم ما يتعرض له التسول والمتسولون عموماً من مطاردات أمنية واجتماعية أينما كانوا.
وأحدث وسائل الشحاذة هي توظيف الإنترنت والتواصل الاجتماعي في هذا الغرض، رغم التناقض الصارخ الذي يثير الحيرة، إذ كيف لإنسان أصبح على درجة من الوعي والفهم إلى حد قدرته على استخدام الكمبيوتر والتواصل الاجتماعي أن يكون سائلاً على هذا النحو من وراء الحدود، ويتوهم أن كل من يسألهم سوف يرسلون له هباتهم وهو جالس في بلده.
أتذكر أنه قبل سنوات قلائل كان يحدث ذلك بالهاتف، وقد تلقيت شخصياً مكالمات عدة من أشخاص أفارقة يزعمون أنهم من الصالحين الذين سيبذلون جهدهم في دعوة الخالق أن يدر عليك الخيرات ألواناً وأشكالاً لو أنك أرسلت لهم مبالغ مالية على سبيل الهبة، ووقتئذ كنت أضحك من نفسي وأقول: لماذا لا يتوجهون بالدعاء إلى الخالق من أجل أنفسهم، فيهبهم صكوك الخيرات التي يعدون بها ضحاياهم، بل وكنت أتساءل مستغرباً: من دلهم على رقم هاتفي، ومن أخبرهم عن سذاجتي أحياناً وضعفي أمام السائلين، وكنت أعتذر لهم بأدب شديد، فقد تعلمت ألا أنهر سائلاً، رغم أسلوب بعضهم المُلِح في طلبه إلى حد أنه يثير الغضب
حالياً، وبعد ذيوع التواصل الاجتماعي، بدأت الطرارة على الفيسبوك، وظهر هذا العالم المظلم والغريب للتواصل الاجتماعي، فتجد في صندوق الرسائل الواردة من تطلب أو يطلب المساعدة، ولا أعرف أيضاً كيف تم اختياري، ولا كيف توصلوا إلى، فأضطر إلى أن أرد كتابة بالاعتذار آسفاً، لأن الأحوال «....» والحمد لله على كل حال!، خاصة أن المبالغ المطلوبة كبيرة ولست من عائلة روتشيلد أو ساويرس، ويبدو أن الطرارة بالتواصل الاجتماعي غير الطرارة الشفهية التقليدية في أحوالها الأولى، فطرارة الفيسبوك لا يشتغل بها بسطاء، ولابد أن يكون هناك فرق!
ثمة من يؤكد أن الطرارة مهنة وليست حاجة، بدليل من ضبطوا يخزنون أموالاً طائلة، ومع ذلك تجدهم جالسين على قارعة الطرق يستعطفون المارة، والغريب في الأمر أيضاً أن الطرارة ليست موجودة فقط في دول فقيرة، فقد صدمت حينما زرت عواصم أوروبية كبرى ووجدت هناك متشردين يفترشون الأرض في شوارع ذائعة الصيت، كما وجدت الطرارة بالموسيقى، فتجد عدداً من الشباب أو حتى الكبار في شوارع وأسواق يعزفون على كمان أو فلوت ألحان وموسيقى بيتهوفن وأغاني فرانك سيناترا أو ديمس روسوس، وما عليك إلا أن تضع ما خرج من ذمتك في طبق يخصصونه لجمع الهبات.
طبعاً مثل هذه الطرارة بالموسيقى تختلف جملة وتفصيلاً عن الطرارة في بعض شوارع مدننا العربية، فالأخيرة فيها الكثير من الدعوات الرنانة لكل متبرع، حتى أن صديقاً يفكر أن يجمع من أفواه الطرارين هذه الدعوات ليخضعها لتحليل، خاصة أنه يشبهني في ضعفي أمام إغراءاتها ووعودها بالخير الوفير الذي للأسف الشديد لا يأتي!شباك على الدنيا
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي