كتاب وأراء

المعارضة المصرية والمعادلة المستحيلة! «1»

لعل أحد أهم العوامل التي يرتكز عليها النظام العسكري في مصر، هي الخصومة مع جماعة الإخوان المسلمين -في أغلب الأحيان- كون القناعة الراسخة في الثقافة السياسية الدارجة لدى شرائح واسعة من الشعوب العربية هي التصاق مصطلح «الإسلام السياسي» بالجماعة أكثر من غيرها، رغم أن المصطلح نفسه قد تبلورت فكرته عقب انتهاء حقبة الخلافة العثمانية ويسبق التأسيس الفعلي لجماعة الإخوان المسلمين،
ولأن الجماعة هي الفصيل الأكثر تنظيمًا وشعبية ولديه من القدرة ما يمكنه من التأثير المباشر على الوضع السياسي وإن كان هذا قد قل بصورة كبيرة مؤخرًا، ولا يمكن أن نركن الأمر للصدفة بل هو مقصود وتم العمل عليه منذ مدة طويلة وليس وليد السنوات الأخيرة فقط عقب اندلاع ثورات الربيع العربي والتي أفرزت فوز تيار الإسلام السياسي بغالبية الاستحقاقات الانتخابية في بلدانه والتي أعقبت النجاح المرحلي والمؤقت للثورات العربية، وهو ما اتضح لاحقًا أنها كانت مجرد هدنة لالتقاط الأنفاس اتخذتها مؤسسات الدولة العميقة في الداخل بنصيحة من حلفائها في الخارج من معسكر الثورة المضادة بشقيه الغربي والعربي المرتبط معها برباط المصلحة بكافة أشكالها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وذلك للخروج بأقل خسائر ممكنة والتخلص في الطريق من مشاريع توريث تتعارض مع مصالحها وعدم الوصول لنقطة الصدام الشامل خاصًة في دولة مركزية ومحورية مثل مصر، حال تعنتها في الاستماع لمطالب المتظاهرين في الشوارع والميادين وبقاء الثوار مجتمعين على مطلب واتجاه وطريق واحد.
جماعة الإخوان المسلمين ورغم ما وقعت فيه من أخطاء يمكن اعتبارها ساذجة كون الجماعة لها باع طويل في العمل التنظيمي والدعوي والسياسي بطريقة جعلتها تتشابك وتتصل وتتفاعل مع مكونات الدولة كافة بشقيها الحكام والمحكومين وتلمس وبطريقة مباشرة خصائص وأساليب السلطة العسكرية الحاكمة وجربت التعامل مع جميع وجوهها بدايةً من التحالف معها في بداية الخمسينيات قبل الخصومة الدامية بينهما في عهد عبدالناصر والتماهي معها في عهد السادات ضد التيارات اليسارية والقومية أو مراكز القوى كما أصطلح على تسميتها، والمهادنة والتفاهم الحذر في عهد مبارك على فترات متقطعة صعودًا وهبوطًا، وصولًا لتعرضها أيضًا وفي جميع العهود حتى ما قبل قيام الجمهورية للحل والاعتقالات والمطاردة -وبشكل دموي عنيف وغير مسبوق عقب الانقلاب العسكري-، واحتكاكها المباشر مع الشارع نظرًا لعملها الدعوي والخيري الواسع والمؤثر والذي لا يمكن إنكاره مما مكنها من الوصول لطبقات وشرائح واسعة من الشعب المصري -ظهير الجماعة الشعبي المتعاطف معها-، لكن يمكننا القول بأنها التزمت بالخيار الديمقراطي والأدوات السياسية المشروعة للوصول للحكم ونتائج الصندوق أكثر من غيرها من الحركات والتيارات العلمانية بشتى أطيافها والتي حسب ما تروج عن نفسها ولأفكارها كان الأجدر بها من بين الجميع الالتزام بتلك الخيارات والأدوات واحترام النتائج واختيارات الشعوب.
لكن غالبيتها عاد وتحالف مع بقايا أنظمة ما قبل الربيع العربي ووريثها العسكري الذي خرج إلى العلن وبطريقة مباشرة بعد أن كان يكتفي بتحريك الأمور من خلف ستار وقبلت أن يجمعها معه معسكر واحد هدفه إقصاء الإسلام السياسي من المشهد متوهمين أنه يمكن الوصول لديمقراطية منزوعة الإسلاميين في مصر والمنطقة بمساعدة النخبة العسكرية وهذا تصور أقل ما يوصف به هو الوهم الساذج وطرح غير قابل للتنفيذ بأي حال من الأحوال، واتجهت إليه التيارات العلمانية ظنًا منها أنه الخيار الأسرع والأسهل عوضًا عن ترتيب أوراقها وتنظيم صفوفها استعدادًا للانتخابات التالية، وتفويت الفرصة على العسكر وحرمانهم من غطاء سياسي كانوا في أمس الحاجة إليه ليتمكنوا من الانقضاض على السلطة المنتخبة بصورة تمكنهم من تصدير أنفسهم داخليًا وخارجيًا كحماة للدولة ومنفذين لإرادة الشعب وحتى تمكنهم ضبابية الصورة من إبعاد صورة الانقلاب العسكري الصريح باشتراك شخصيات من أطياف سياسية شتى داخليًا وأخرى معروفة دوليًا تولت مناصب رسمية في ظل الانقلاب العسكري وساهم هذا في رفع الحرج عن المعسكر الغربي وتسهيل مهمته في دعم السلطة الجديدة حفاظًا على مصالحه من جهة وعدم اهتزاز صورته بظهوره كداعم لأنظمة قمعية أمام مواطنيه من جهة أخرى.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري