كتاب وأراء

الصراع في فنزويلا.. الأبعاد والمآلات

تقريباً يفعل خبراء ومحللو السياسة كما يفعل الأطباء حينما يتفحصون الحالات المرضية التي تعرض عليهم، فيبدؤون بقياس ضغط الدم والسكري وسؤال المريض عن الأعراض التي يشكو منها، ليتسنى لهم بعد تحليلات وقياسات تشخيص المرض أو الأمراض وسبب الشكوى والعلة، خبراء السياسة يبدؤون في سبر أغوار الأزمات والعلل السياسية بنحو شبيه فيبدؤون بالتفتيش عن النفط وخطوط نقله في التسبب في هذه الأزمة أو تلك، ويرى محللون أن الأزمة الراهنة في فنزويلا لا تحتاج إلى اقتفاء أثر السبب والبحث عنه في تلافيف الأزمة وتعقيداتها، حتى أن الأطراف الدولية المؤثرة في مجرياتها تتبادل الاتهامات علناً في هذا الخصوص، فروسيا مثلاً، وعلى لسان سكرتير مجلس الأمن الروسي، اعتبرت أن رغبة واشنطن في الهيمنة على نفط فنزويلا الرخيص، وتصدير زيتها الصخري الباهظ الكلفة، هو السبب وراء هجمتها الحالية ضد كاراكاس، ووصفت هذا بأنه: «مظهر منافسة غير نزيهة»، بينما الولايات المتحدة لا تركز على النفط الفنزويلي فيما يصدر عنها بقدر سعيها إلى تأمين فنائها الجنوبي ليس فقط بجدار حدودي مع المكسيك، يضع حداً لموجات الهجرة اللاتينية غير الشرعية، ولكن أيضاً بمنع الروس وغيرهم من إيجاد مواطئ أقدام في هذا الفناء الجنوبي، إذ يلوح في أفق السياسات الروسية سعيها لموازنة الوجود والتمترس الأميركي في القارة البيضاء العجوز، بتمترس روسي منافس في أميركا الوسطى أو الجنوبية
وثمة من يرى أيضاً أن واشنطن تسعى إلى تأمين بديل نفطي فنزويلي، ولبعض الوقت، لنفط الشرق الأوسط الإقليم الذي قد يشهد تطورات دراماتيكية خطيرة، وأن روسيا التي أدركت ما ترمي إليه واشنطن، سارعت إلى إرسال عسكريين وعتاد عسكري نوعي إلى فنزويلا ليس فقط للحيلولة دون سقوط الرئيس مادورو، ولكن أيضاً لمنع واشنطن من المضي في أهدافها بالشرق الأوسط.
الروس من جانبهم يخططون لاكتساب ثقة حلفائهم وأصدقائهم المقربين، ويحاولون تعديد نماذج من ذلك، فتدخلوا لإنقاذ النظام السوري، وها هم يتدخلون عسكرياً أيضاً في فنزويلا لإنقاذ نظام الرئيس مادورو الذي يواجه عاصفة داخلية وخارجية عاتية لاقتلاعه والإطاحة به، لأن من شأن هذه التدخلات الروسية المباغتة لإنقاذ الحلفاء توسيع النفوذ الروس، والتلويح لأنظمة في العالم أن التحالف مع روسيا أكثر جدوى من التحالف مع غيرها، وأنه بوسع دول في العالم أن تعتمد على موسكو التي ترسل قواتها على جناح السرعة لإنقاذ الحلفاء من السقوط، فهكذا تخطط موسكو لتقديم صورتها للعالم، غير أن الحماية العسكرية الروسية لنظام الرئيس مادورو تواجهها مشاكل كبيرة، منها بعد المسافة بين روسيا وفنزويلا، ومنها كذلك أن نظام الرئيس مادورو يحاصره مقربون من الولايات المتحدة يتطلعون لطي صفحة هذا النظام، وفضلاً عن ذلك فإن كلفة التمدد الروسي العسكري على هذا النحو فوق طاقة الخزانة الروسية، فالاقتصاد العسكري الروسي يصعب عليه منافسة نظيره الأميركي القوي، ويجمع خبراء أنه لن يكون هناك صدام بين واشنطن وموسكو في فنزويلا، غير أن عيون الروس على الجيش الفنزويلي، الورقة البالغة الأهمية، من خلال سد ثغرات محاولات اختراقه أمريكياً وضمان تأييده للرئيس مادورو، ومن ذلك فدور العسكريين الروس في فنزويلا يتجاوز توفير وتخطيط الحماية العسكرية لنظام الرئيس مادورو إلى استقطاب القيادات العسكرية الفنزويلية وإفشال محاولات أجنبية لاختراق المؤسسة العسكرية الفنزويلية وإصابتها بشروخ وانقسامات تقلص من تأييدها للرئيس مادورو، وتمهد الأرض أمام انقلاب عسكري مباغت.
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي