كتاب وأراء

بِالأَخـلاقِ تَسْــتَقِـــمُ

اُبتلي أقوامُنا في هذا الزمان بهلعهم الشديد نحو ثقافة الجمال، فتجد الصغير والكبير، المرأة والرجل يقاومون علامات الزمن بشتى الوسائل، فمنعوا طورًا من التقدم نحو الأفضل أن يتمثّل في حياتهم، فالتقدّم نحو ما يُسمى بخريف العُمر بحسب الثقافة الجمالية السائدة، عليه أن يكون تقدّمًا مصقولًا لا تشوبه شائبة التجاعيد العميقة والخطوط الرفيعة، بل على العكس تمامًا حيث مما درجت عليه الموضة وصُرعَت به الرؤوس أن تتغير خريطة الوجه تمامًا، فيصبح الذقن عريض والجبة محددة والشفاه مكتنزة والخدود مشدودة إلى أعلى؛ أعلى مما يجب ان تكون عليه الخدود الطبيعية، إلى آخر هذه القائمة التجميلية الجديدة التي يلعب فيها الفلر والبوتوكس دورًا رئيسيًا في الحَقن والشَدّ.
إنَّ الجمال يُعَدّ من الأمور النسبية التي تختلف من ثقافة لأخرى ومن شخصٍ لآخر، لكنَّ الإشكالية الكُبرى اليوم هي أنَّ العقل الجًمعِي أصبَحَ يتّجِه إلى الإغراق في هامشيات الحياة التي حلّت اليوم محَل الضروريات، فأصبحَت صيحات الموضة العالمية وما ينشرُه الغرب ضمن آليته الإعلامية العالمية تحت اسم التطوّر والعصرنَة والتجدد؛ هي الأساسيات التي يسعى أغلبُ الأفراد والمجتمعات إلى ارتدائها وخلع كافّة مظاهر الأخلاق والجماليات الروحيَّة، فأصبحت قيمة الجمال اليوم لا تُقاس بحلاوة السجايا أو طهارة الروح أو جمال الشخصيَّة، ولم يعُد قوت الجمال جمال المعاني إنما أصبح قُوت الجمال للأسف كميَّات ألفِلَر والبُوتوكس التي يحقنها الفرد في وجهة وأنواعِ جِسمِه ليُصبح أكثر جمالًا وتألقًا وقُبولًا.
يقولُ الشيخ أحمد محمد الخضر حسين في كتاب (السعادة الكُبرى): «وحسبك أن تعلم أن الأمة العربية سادت بجميل الأخلاق، وحميد الخلال، فكان الصدق، والأمانة، والعفة، والوفاء، والمروءة، والإخلاص في العمل، والألفة، والاتحاد، وكلها مجتمعة في الرجل منها يُتَحلَّى بها عن رغبة لا عن رهبة، وبميل ووجدان شريف، ونزعة نفسية حرة»، وبدوره يقول الدكتور زكي مبارك في كتابه (البدائِع): «أين من يعرف أدب النفس في هذه الأيام؟ وأين الرجل الذي تثِق بكرمه ومروؤته؟ وتطمئِن إلى أن أذنه لا تفتح لأهل اللغو والفضول ممن يبعثرون النمائم ذات اليمين وذات الشمائل؟ وأين من يَزِن ما يقول، ويفكر في عواقب ما يقول؟ وأين من سَلِم أديمُه في هذا البلد، فلم تمَزِّقه الأقاويل والأراجيف؟ دلونا أيها الناس على رجلٍ واحدٍ سَلِم عرضُه وشرفُه، وحُفِظَ معروفُه وجميله، واستطاع الفضل أن يحميه من لغو المرجفين، وكيد المفسدين»، ويقول أمير الشعراء، أحمد شوقي في جمال الروح والخُلُق:
وإِنَّمَـا الأُمَـمُ الأَخْـلاقُ مَا بَقِيَـتْ
فَـإِنْ هُمُ ذَهَبَـتْ أَخْـلاقُهُمْ ذَهَبُـوا
صَـلاحُ أَمْـرِكَ لِلأَخْـلاقِ مَرْجِعُـهُ
فَقَـوِّمِ النَّفْـسَ بِالأَخْـلاقِ تَسْتَقِـمِ
قارئي العزيز، كُلنا يعلم أنَّ الخُلُق والذوق والأسلوب الحسن (إتيكيت الحياة) لا يدرسان في مدارس أو جامعات، إنما يكتسبهما الإنسان من محيطه الأول في بيته ومن ثم مجتمعه والمؤسسات التي تنشئه لاحقا وبطريقة غير مباشرة كالمدرسة والجامعة ومجتمع العمل على اختلاف طبقاته ومستوياته بحيث تصبح جميع الاسقاطات التي يتلقاها المرء من هنا وهناك عاملا مساعدًا على تشكيل الحصيلة الأخلاقية لدى المرء وإن لم يكن ذلك شرطا لازما، إن السلوكيات الأخلاقية وآدابها هي التي تميز سلوك الإنسان عن سلوك البهائم في تحقيق حاجاته الطبيعية، أو في علاقاته مع غيره من الكائنات الأخرى، فالآداب الأخلاقية في كل المعاملات وقضاء الحاجات الإنسانية زينة الإنسان وحليته الجميلة، وبقدر ما يتحلى بها الإنسان يضفي على نفسه جمالاً وبهاءً، وقيمة إنسانية فقد تضمن القرآن الكريم دستورًا للأخلاق والآداب في جميع مجالات ونشاطات الإنسان، فلم يترك جانبًا منها إلا وكان له فيه توجيه وإرشاد، ومن هذه التوجيهات القرآنية المباركة في مجال التربية الخلقية للأولاد قول الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، وقوله تعالى (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ* يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ* وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ* وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)، فهذه الآيات الكريمات تضمنت دستورًا كاملاً من الأخلاق الرفيعة.
التاريخ يخبرنا أنَّ سقوط كثير من الأمم والحضارات كان بسبب انهيار الأخلاق كما قرر ذلك ابن خلدون وغيره، وقد سئل أحد وزراء اليابان ما سر تقدم اليابان هذا التقدم؟ فقال الوزير: السر يرجع إلى تربيتنا الأخلاقية! إن صلاح الفرد وتهذيب نفسه بالأخلاق الإسلامية هو الطريق لصلاح المجتمعات، واستقامتها على المنهج الإسلامي القويم، يقول الماوردي رحمه الله مشيرًا إلى أهمية التربية والتأديب: اعلم أن النفس مجبولة على شيم مهملة، وأخلاق مرسلة، لا يستغني محمودها عن تأديب، ولا يكتفي بالمرضي منها عن التهذيب، أي أنَّهُ لابُدَّ من التربية والتوجيه وتنمية الأخلاق الحسنة التي جبل عليها الطفل وتعميقها دون إهمال.
قارئي العزيز، إنَّ الدين ليهدي للتي هي أقوم؛ يطبع النفوس على الأخلاق السمحة الكريمة، ويضع أمامها موازين تستبين به الرشد من الغي، ويريها كيف تحيا الحياة الزاهرة المطمئنة، إنَّهُ متى ما تعَبَّأت الروح بجمال الدين والأخلاق الجميلة؛ استغنّت عن الأسلوب السهل في التجميل، الأسلوب البالي الذي أصبح مسيطرًا على واقع الحياة، فمهما زادَت جُرعات الحَقن ظهرت الروح الداخلية السجينة، فإما كانت نبتة جميلة مهمشة، وإما ظهرت خواءً ميتًا لا وجودَ له.
{ إعلاميَّة وباحِثَة أكاديميَّة- جامعة قطر
بقلم: خولة مرتضوي

خولة مرتضوي