كتاب وأراء

كلهم يعرفونه.. كـلـهم يـجـهـلـونـه

تحدثت مرة في سـهرة في بيت أحد الأصدقاء تشـبه الندوة، عن أغنية «الأطلال» وعبقريتها الشـعرية واللحنية والغنائيـة، وقال لي أحد السـاهرين فيما بعد: لم أكن أعرف أنها من شـعر إبراهيم ناجي، فمن هو؟ أعطيته لمحة موجزة عن الشاعر، وتساءلت: أليس من حق الشاعر والملحن أن نتحدث عنهما؟
يعرف الجميع أغنية فيروز «أعطني الناي وغنّ» لكن قلائل جداً من يعرفون أنها من شـعر جبران خليل جبران الذي تمرّ بعد يومين ذكرى وفاته الـ 88 (10/4/1931) وأقـل منهم بكثـير من يعرفون شـيئاً عن هذا الشـاعر الكاتب الرسـام الصحفي المجدد الذي أضاف إلى الشـعر العربي – مع زملائه شـعراء المهجـر – إضافات مهمة، وكان ما فعلوه أشـبه بما فعل أهل الأندلس في الشعر العربي.
هـل يعرفون مثلاً أنه بسـبب الفـقر لم يذهب إلى المدرسـة؟ وأن كاهـن القرية كان يعلمه في منزله مجانـاً؟ وأنه تعلم القراءة والكتابة على يد الطبيب الشـاعر سـليم الضاهر؟ وأنه هاجر مع أمه وأختـه وأخيـه إلى الولايـات المتحدة، ولكنهم عادوا عـندما كان عمره خمسـة عشـر عاماً، ودرس في مدرسة إعدادية مارونية ومعهد الحكمة. هل يعرفون أنه عاش قصة حب فاشلة في بلدته «بْشِرّي» استوحى منها فيما بعد قصته (الأجنحة المتكسرة)؟ ونلاحظ تعلقـه بالطبيعة لأنه وجد عـزاءه في طبيـعة لبنان الجميلة.
ماذا يعـرفـون عن «الرابطـة القلمية» التي أسـسـها مع كلِّ من ميخائيـل نعيمة، عـبد المسـيح حداد، ونسـيب عريضة، وكانت لتجديد الأدب العـربي، وهي بهذا تلتقي مع مدرسة «البعـث والإحياء» التي أطلقها البارودي وتبعه فيها كبار الشعراء في مصر والشـام؟ ما الذي يجـمع شعر جبران خاصة، وشعـراء المهـجر عامـة، بشـعر شعـراء «مدرسـة أبولو» التي أسـسـها الشـاعـر أحـمـد زكي أبو شـادي، ومن روادهـا: إبراهـيم نـاجي، وعـلي محمـود طـه، وأبو القاسـم الشـابي؟
يبدو جبران خليل جبران مغرقاً في الرومانسـية، ولكنه كان ثائـراً حقـيقـياً، ينطلق من أفكار سياسية ناضجة تحمل الكثير من البصمات الفلسفية، وقد اشتهرت مقولة كان يرددهـا «ويل لأمة تأكل مما لا تزرع» ويمكن البناء عليها في جميع مناحي الحياة. ومن أقواله «أنا أجلُّ القرآن، ولكنني أزدري من يتـخذ القرآن وسـيلة لإحباط مسـاعي المسـلمين، كما أنني أكره الذين يتخذون الإنجيل وسيلة للتحكم برقاب المسيحيين».. «أنا لبناني لي وطن أعتـز بمحاسـنه، ولي أمة أتباهى بمآثرها، أنا مسـيحي ولي فخر بذلك، ولكنني أهوى النبي العربي، وأكبر اسمه، وأحب مجد الإسلام وأخشى زواله»..
من حـق مبدعي الأمة في مختلـف الميادين أن نتـذكرهـم، ونعـلي من شـأن إبداعاتهم، وويل لأمة تنسى كبارها وتنشغل بصغارها.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين