كتاب وأراء

الصحف الورقية والمصير

حبشي رشدي
لا يغبطني أبداً، وكذا كل الذين عملوا سنوات عمرهم في بلاطها الجميل، الحديث عن موت ينتظر الصحافة الورقية، إذ مازلت أعتقد أن قيمة الورق الذي تنشر به صحف في العالم كل يوم لا تقل أهمية عن شاشات التلفاز وأجهزة الكمبيوتر، وأن الذين يعتقدون أن الزمن الذي يتقدم بخطى حثيثة إلى الفضاء الرقمي الواسع سوف يعصف بالصحافة الورقية واهمون، كما أن الذين يتجاهلون أيضاً أن الهيمنة السيبرانية صارت ترسم ملامح الحروب في القرن القادم يعانون من أنيميا إستراتيجية حادة في تقييم ملامح غد ينبغي فيه ضمان حرية الصحافة الوطنية في أي دولة وتجنيبها الخنق السيبراني الذي سيصير من أخطر أسلحة الغد التي في حوزة المتقدمين، وأن ترسانات الكبار صارت تحتوي على ما يسمى قنبلة الجرافيت أو قنبلة التعتيم التي تستخدم لتعطيل أنظمة الطاقة الكهربائية.. وتعمل عن طريق نشر سحابة دقيقة جداً من ألياف الكربون المعالج كيميائياً على المكونات الكهربائية، مما يسبب في ماس كهربائي وانقطاع التيار الكهربائي، بل إن أحد أخطر القضايا التي يعلن عنها حالياً بين وقت وآخر محاولات دول اختراق التواصل الاجتماعي وغيره في دول أخرى، والوصول إلى أخطر أسرار الدول وبرمجياتها، ولهذا، وأيضاً لغيره من الأسباب، ستظل الصحافة الورقية باقية، بدليل أن صحفاً عريقة صدرت قبل نحو قرنين من الزمن في دول متقدمة، ومنها- على سبيل المثال– الاكونوميست والفاينانشيال تايمز والوول ستريت جورنال... إلخ مازالت، بل وستظل تصدر، ولها قراؤها الذين يتزايدون ولا يستغنون عنها.
وكنت أظن أن قراء الصحف الورقية الحاليين هم من كبار السن مثلي، الذين اعتادوا على القراءة الورقية بحكم إدمانهم قراءة الكتب ومتابعة الصحف، ولكني تبينت أن عدداً ليس قليلاً من زبائن أكشاك بيع الصحف هم من الشباب، وأن الذين يبتاعون الصحف منذ ما قبل السادسة صباحاً هم من الشباب، ما يعني أن الاستغناء عن الصحف الورقية لصالح الصحف الإلكترونية لم يتم، وأن ما يجب أن يحدث هو تجديد وتطوير الصحافة الورقية، فلا تظل في ثوب جدودها القديمة التي كانت تصدر قبل خمسين أو مائة عام.
واحترمت مقترحاً لصديق صحفي أناقشه عادة في قضايا الساعة، وهو مقترح يدور حول أهمية تغيير بنية المؤسسات الصحفية العربية اليوم، فلا تكتفي فقط مؤسسة الصحيفة بالإصدارات الورقية، ولكن تضيف أيضاً إلى مكوناتها ومخرجاتها محطات تليفزيونية وجرائد إلكترونية أو رقمية ومحطات إذاعية، وذلك لتعظيم مدخولاتها من جهة، وتنويع أنشتطها من جهة أخرى.
وفضلاً عن ذلك فإن إحدى معضلات الصحافة الورقية هي الثمن المرتفع للورق المستورد، ما يتطلب توجيه البحث العلمي العربي إلى البحث عن خامات محلية بديلة لتصنيع ورق الصحف، وهنا لا أعرف لماذا نتعامى عن سليلوز سعف النخيل في توفير اللب الذي يصنع منه الورق، فلو نجح البحث العلمي العربي في ذلك لوفر على أمة ينتشر فيها النخيل الكثير.

حبشي رشدي