كتاب وأراء

فضيحة فقدان السيادة رفات سوريا وسردية الممانعة

قبل أعوام، بعد الثورة السورية، استعادت إسرائيل من سوريا ساعة يد كانت خاصة بالجاسوس الشهير كوهين، الذي لمع نجمه في سوريا خلال النصف الأول من القرن الماضي، قبل اكتشاف أمره وإعدامه في شهر مايو عام 1965، بعد أن استطاع الوصول إلى أعلى مستويات السطة في سوريا، استعادة الساعة تمت بعملية سرية أو مشوشة قليلا، بحيث يبدو أن لا علاقة للنظام بها، إذ صرحت ابنة كوهين أن الساعة كانت موجودة لدى شخص أهداها له أحد المحققين الذين حققوا مع كوهين، واحتفظ بالساعة قبل أن يهديها لصديق له، تمت عملية استعادة الساعة، حسب ابنة كوهين، عبر عملية شراء على الانترنت، وهو ما ليس متاحا بسهولة في سوريا، لأسباب تقنية أولا، والأهم لأسباب أمنية، حيث لا يمكن بيع شيء كهذا عبر الانترنت دون علم الأجهزة الأمنية السورية التي تعرف دبيب النملة كما يقولون، كانت قصة البيع على الانترنت مجرد طريقة مختلقة تبعد الشبهة عن النظام السوري الذي يعتمد في تاريخه كله، وفي إجرامه ضد شعبه على سردية مقاومته لإسرائيل ومشروعها في المنطقة العربية.
قبل أيام قليلة أيضا، استطاعت إسرائيل استعادة رفات الجندي الإسرائيلي زخاري بوميل، الرقيب أول المجند، الذي قتل في جنوب لبنان عام 1982، ولا أحد يعلم السبب الحقيقي لدفنه في سوريا، وفي مخيم اليرموك الفلسطيني بالتحديد، عملية البحث عن رفات الجندي الاسرائيلي بدأت قبل عامين حين أعلنت روسيا أنها تساعد قوات نخبة إسرائيلية في البحث عن رفات جنود إسرائيليين مدفونين في سوريا، بعد أن قامت روسيا عام 2016 بإعادة دبابة استولت سوريا عليها في معركة السلطان يعقوب، لكن بوتين، الرئيس الروسي كان قد وعد نتانياهو بإعادتها، فأرسلها النظام السوري إلى إسرائيل بصمت لم تلتزم به إسرائيل التي أقامت احتفالا باستعادة الدبابة وشكرت الحكومتين الروسية والسورية على ذلك.
استعادة رفات زخاري بوميل تمت بجهود روسية، إذ أراد بوتين تقديم هدية لنتانياهو قبل الانتخابات الإسرائيلية، وهو ما أعلنته وكالات الأنباء الروسية التي أردفت أن «الجيش الروسي استطاع بالتعاون مع فرقة عسكرية سورية استخراج رفات زخاري، وسوف يتم إرساله إلى إسرائيل حسب الاتفاق بين السيدين بوتين ونتانياهو»! ما جعل النظام السوري الذي أوقعه هذا التصريح بحرج تام إلى الإعلان أنه لا علم له بالموضوع، وأن إعادة الرفات نتيجة التعاون بين إسرائيل والإرهابيين. لا فضيحة وطنية يمكنها أن توازي فضيحة النظام السوري بما حصل، ليس فقط أن سردية الممانعة والمقاومة قد سقطت كلها، وإنما فضيحة فقدان السيادة التامة، حيث يتصرف بوتين والقوات العسكرية الروسية في الشأن السوري، بوصف سوريا محمية روسية أو واقعة تحت الوصاية الروسية، ويبدو النظام السوري لا يملك من أمر سيادته على سوريا سوى الهوبرة والبروبغاندة الإعلامية المكشوفة للجميع، ولا يتجاهلها أحد سوى مؤيدي النظام من سوريين وعرب، المستعدين للتغاضي عن كل الخيانات الوطنية والقومية التي ارتكبها النظام السوري كي لا يظهر أن السوريين الذين ثاروا على النظام كانوا على حق، ثمة مشكلة بنيوية وأخلاقية لدى هؤلاء يعجز الوصف عنها، ولا يمكن تصنيفها تحت أي بند سوى بند العته والاستعلاء والرؤية الأحادية والعقل القاصر عن التطور مع الحدث العربي المتغير يوما بعد يوم. والحال أن في قضية كهذه سيبدو من الهراء سؤال النظام السوري عن رفات عشرات آلاف المعتقلين السوريين والفلسطينيين، الذين قتلوا تحت التعذيب، لا يعلم أحد أين تم دفنهم، فبالنسبة له هؤلاء ليسوا أكثر من جراثيم لا يعني التخلص منهم شيئا، لا يعني مصيرهم شيئا لأحد في العالم كله أصلا، ولكن هل سأل مؤيدوه، أولئك الذين أرسلوا أبناءهم ليكونوا وقودا في حربه ضد الثورة عن مصير أبنائهم ؟! يعرف غالبية السوريين أن جثثا كثيرة لمقاتلي النظام اختفت تماما، وأن ثمة توابيت فارغة كانت تعود إلى القرى والبلدات السورية مكتوبا عليها أسماء أبنائهم (الشهداء) ويمنع عليهم فتحها، هل سأل هؤلاء أنفسهم عن قيمة وجودهم بالنسبة للنظام؟! أم أن الأمر غير مهم أيضا؟! لا نريد منهم السؤال عن الانتصار الذي يحتفلون به وروسيا تحتل البلد بوضوح تام، ولا نريد منهم السؤال عن وضع البلد الحالي بعد الانتصار المزعوم، نريدهم أن يسألوا فقط عن الفرق بين احترام العدو الاسرائيلي لمقاتليه وبين ما يراه نظامهم المحبوب بهم.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران