كتاب وأراء

فنزويلا وطبول الحرب الأميركية - «2 - 2»

الروس الذين كانوا قد سارعوا بإرسال نحو 99 من ضباطهم إلى كاراكاس برروا هذا التدخل بأنه لحماية المصالح الاقتصادية لبلادهم في فنزويلا، حيث يقال إن روسيا قد استثمرت حوالي 10 مليارات دولار في الاقتصاد الفنزويلي، وحصلت الشركة الروسية العملاقة «روس نفط» على حصة في قطاع الطاقة في الجمهورية البوليفارية، وأخذت، كضمانة لقرض قيمته 1.5 مليار دولار، حصة 49.9 % في مصفاة مملوكة للحكومية الفنزويلية، وحماية هذه الاستثمارات والمصالح الاقتصادية الروسية ترتبط إلى حد كبير ببقاء الرئيس مادورو في السلطة، فضلا عن أن فنزويلا تشكل نقطة ارتكاز مهمة لصادرات السلاح الروسية إلى أميركا اللاتينية، وجسرا للعبور الروسي السياسي والاقتصادي للفناء الخلفي للولايات المتحدة الأميركية، كما أرسلت بكين أيضا عددا من رجال الأعمال إلى كاراكاس لحماية أموالها المستثمرة في الاقتصاد الفنزويلي، ما يعني أن المخاوف الروسية والصينية على استثماراتهما واقعية و كبيرة، ولهذا يمكن القول إن التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا في حال حدوثه سيكون ضربة قاسية للاقتصادين الروسي والصيني.
غير أن حجم القوة العسكرية الروسية التي أرسلتها موسكو إلى كاراكاس لا يعني نية الروس التدخل العسكري الواسع النطاق لحماية الرئيس مادورو، بينما سيكون التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا، في حال حدوثه، هو بغاية ال‘طاحة بالرئيس الفنزويلي، الذي لم يرفع راية بيضاء حتى كتابة هذه السطور أمام محاولات إزاحته، ومن ثم لو أرسلت واشنطن إمداداتها العسكرية إلى فنزويلا، فأنها ستكون حجما ونوعا أخطر بكثير مما أرسلته موسكو إلى كاراكاس.
دق واشنطن طبول الحرب ضد فنزويلا ضغط كبير على أعصاب المؤسسة العسكرية في هذا البلد بغية إحداث شروخ كبيرة فيها، كما يعيد إلى الذاكرة سجل واشنطن في التدخلات العسكرية في أميركا اللاتينية، ومنها على سبيل المثال تدخلها في بنما ونجاحها في اعتقال مانويل نورييغا رئيس بنما الأسبق الذي اضطر إلى الاستسلام للقوات الأميركية الغازية، وحوكم في الولايات المتحدة بتهمة الاتجار بالمخدرات وغسيل الأموال، وحكم عليه بالسجن 20 عاما وبعد انقضاء محكوميته سلم في العام 2010 إلى فرنسا التي كانت قد حاكمته غيابيًا كذلك بتهمه غسيل الأموال.
كما سبق للولايات المتحدة أن تدخلت عسكريا أيضا في جزر غرينادا التي تقع في الكاريبي بعد أن اتهمت حكومتها بالتحالف مع كوبا الشيوعية، فضلا عن تدخلات عسكرية أميركية عديدة لا تغيب عن ذاكرة الأميركيين اللاتينيين
وثمة من يقول إن الانقطاع الشامل للكهرباء في فنزويلا مرات من قبل كان بروفة مليئة بالرسائل عن أن واشنطن قد أعدت إجراءاتها العسكرية بالفعل لشن هجوم مباغت يخترق كل حصون الرئيس مادورو للإطاحة به.
وإزاء هذا الوضع الدولي والإقليمي البالغ الاحتقان والتوتر من حول فنزويلا يصعب تصور أي فرص لنجاح طلب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مؤخرا من المكسيك والأوروغواي إعادة إطلاق اقتراح وساطة كانتا قد تقدّمتا به في وقتٍ سابق للمساعدة في حل الأزمة بين النظام الفنزويلي ومعارضيه، فالأحداث والنوايا المبيتة تجاوزت هذا الطلب وكل ما يشبهه من دعوات.
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي