كتاب وأراء

كـمـا يُمْضَغُ الإحـسـاس !

بقلم : د.سعاد درير
كاتبة مغربية

كم يُرْهِقُ الرُّوحَ والعينين أن تَقِفَ أنتَ، أنتَ، عند باب الحياة وأنتَ لا تَلوي على شيء، ولا تفكر في شيء، لا شيء أكثر مِن حنينك إلى زمن المشاركة والاندماج، الاندماج بأَحَرّ الأنفاس في حياة الناس..
عند رصيف إحساسك المميت بالغياب يَسقط ثوب الإنسانية، وإذا بجثتك تَقف عارية، عارية هِيَ مِن لمسات الرحمة والدفء تلك التي تُعيد الاعتبار لسقف آدمِيتك المنهار..
- أنتَ الذي تَطحنك رحى النسيان ما جدوى أن تَكون شقيق الإنسان؟!
- أنتَ الذي يأكلك هجر الأمل كيف لك أن تُقَلِّمَ أظافرَ الألم لتقوى على التعايش معه على الأقل؟!
- أنت الهارب من الحرمان في رحلة النسيان، بأي تعويذة ستُمَرِّن قدميكَ لتَقِفَا مجددا عند باب الإنسان؟!
- أنتَ، أنتَ المحكوم عليك بالإعدام جَلْداً بسِياط اللارحمة واللاعودة واللابقاء واللانجاة واللاحياة، هل لك أن تَستعيد مفاتيح الْمَدْخَل إلى الحياة؟!
أن تَلتمس شيئا من التعاطف والتقبل معناه أن تُنصف حقك الطبيعي في الحياة، كما يشاء لك مولاك، ولا يشاء صُنَّاع قطار الموت على امتداد سكة الحياة..
بين سِكّة الحياة وسَكتة الحياة، يا هذا الهارب من جحيم الموت المؤجَّل، تتجمد عقارب ساعتك، فإذا بزمنك يتوقف، وإذا بجعبة صبرك تنفد، وإذا بدخان الليل، ليلك، ينتشر ويتمدد ويزحف..
وحدها ضفيرة خيوط القَدَر تتأهب مسترسِلة لاستئناف موعدها مع رحلة السقوط، سقوطكَ أنتَ، أنتَ، ووحده حبل الانتظار والترجي يلتف حول عنقكَ ليلدغك لدغةَ ثعبان خبرَ الحُفَرَ التي تَستدرج إليها قدميكَ..
نوافذنا اليوم مشرعة مجددا على محيطات روسيا، ومَن ذا الذي سنَجده في انتظارنا غير صاحبنا بوغدانوف بيلسكي Bogdanov Belski صاحب الأصابع الهدَّافة في مرمى الرسم والتشكيل..
بوغدانوف بيلسكي، هذا، اشتهر بلوحاته التي صَيَّرَ فيها الرسم حياةً صغيرة تمتص وحشة الواقع ودهشة النهايات.. ومن هنا تأتي أهمية لوحته التي مَهَّدْنا لها بما وقفنا عنده مِن فقرات، إنها لوحته المسمَّاة «عند باب الْمَدْرَسَة At the door of the school»..
في أعمق مَشاهد الغبن يتجسد فعل الحرمان ويتقلص صوت الإنسان وتنكمش رغبة عضلاته في التثاؤب كمدخل للتعبير عن حقه في التمدد على سرير الحياة الذي صَيَّرَتْه القسوة أَبْعَد بسنوات ضوئية عن الملمس الناعم ذاك الذي يَأذن للروح بالتجاوب عناقا مع طائر الفرح اللامرئي..
بطلُ لوحة «عند باب الْمَدْرَسَة At the door of the school» بطلٌ صغير، لكن مأساته أعمق وأكبر مما قد يُصَوِّر لك عقلُك، لماذا؟ لأن بطل اللوحة لا يخرج عن بوغدانوف بيلسكي الفنان، صحيح أنه بطل صغير، لكن خطواته غير الأَمَّارة بالاطمئنان في دروب وشوارع بَنِي الإنسان لم تَكُنْ يوما صغيرة..
تلك دروب ضيقة، بل هي أضيق من قميص الحُلم في وضع اليد على قفل رغبةٍ لن يَكون مفتاحه إلا قلبك، قلبك المنفي في رحلة التمزق والتشظي، قلبك الراقص رقصة الاحتضار في عيون ذَوَّاقة للتلظي..
إذا نظرنا إلى تموقع بطل الصورة الصغير الذي يُجَسِّدُ بوغدانوف بيلسكي، سنَجد بأنه هو الراغب يأخذ مكانه في الهامش بالنظر إلى موضوع الرغبة الذي لا نختلف على كَوْنِه المدرسة، أو لِنُسَمِّه باختصار فضاء التدريس..
نظرة أخرى نُجَرِّب أن نُلقيها على مساحة فضاء التدريس الأَبْعَد مِن يَدٍ تحلم بالقبض على الحُلم، فإذا بأصابع المعنى الخَفِيّ تُشير إلى حقيقة واحدة لا نختلف فيها أنا وأنت يا صديقي: إنها مَواقِع الفراغ..
ومِن ثمة؟!
ومن ثمة نَجِد أن هذا يوحي ببساطة باتساع المساحة الفاصلة بين الذات والْمَطْلَب، بين الفاعل والرغبة في الفعل في ظِلّ العجز الناطق به لسان القدرة..
لِنَقِف الآن عند الوضع الجسدي للطفل. إن هذا الوضع يقول شيئا واحدا هو الاستعداد الكُلّي مِن جهة الطفل للانخراط في التجربة التعلُّمية، وكأن كل ما يَنقصه هو الإذن بالدخول والاعتراف به كطالب في الفصول..
ملابس الطفل تقول إنه هارب من موسم شتاءٍ تُصَفِّق له الأسنان اصطكاكا، لكن الفقرَ ما أَقْبَحَه! الفقر يَفضح صاحبه، والعين البصيرة لا تَقْوى على أن تَخِيطَ وتُرَقِّع ليلا بِسَواد ليل الفقراء..
ملابس الصَّبي المهترئة (بما فيها الحذاء الشتوي المصنوع كما اتّفق) تُضاعِف مِن إحساسه بالغُربة، لكنها في المقابِل تُقوِّي إحساسَنا بالشفقة عليه..
كما أن هذه الملابس الممزَّقة، حدّ أن تَكشف شيئا من الجسد وتُعَرّيه، تَدفعنا إلى أن نَزِنَ الطفلَ بعين الرضا في ميزان القبول له روحيا، لاسيما وأن ثمة من المؤشرات ما يُشجع على ذلك، يَكفينا صفاء بشرته ونقاء شعره..
وفيهما معا (الصفاء والنقاء) ما يُحيل على الطهارة الداخلية، إنها الطهارة تلك التي تُثَمِّن الروح في عيون الآخَرين الناظرين مِن تحت مجهر التأمل الرامي إلى تَقطير شَهْد الحِكمة..
فماذا عن العصا:
- هل يتحسَّسُ بها الصبي طريقَه؟!
- هل هي الحائط الذي يشكل السند الذي تتخذه دعامةً القَدَمان؟!
- أم هي القَدَم الثالثة التي تُثَبِّتُ الوقفة التي ترتكن إليها القَدَمان الأصليتان هما اللاعبتان فوق أرض رطبة (بفعل الثلوج) إلى درجة أن نفكر في أنهما تكادان تنزلقان فيها انزلاق الأحلام؟!
فماذا عن القُبَّعة؟!
وما عسانا نُسَجِّل في ما يَخصّ «الزوّادتين» المحمولتين؟!
لا شك في أن القُبَّعة تُعادِل قطعةَ الأكسسوار التي لا يَستغني عنها رِجال الأمَم الراقية في حالة الخروج. غير أننا إذا ربطنا الأمر بما يَحمله الطفل على ظهره وعلى كتفه، سنفهم أن الأمر يَكاد يتعلق بارتحال..
إنها رحلة متاعِب لا تتوقف، رحلة يَستأنفها الطفل مع بداية كل يوم جديد، رحلة بُؤس يَصعب فيها أن نُفَرِّق بين الإنسان وسِواه مادامت لا تَعِد بحًلٍّ لمعضلة الإنسان الجاحد به المكان..
الشَّعر الكثيف والْمُرَتَّب والموحي بملمس حريري يزيد من درجة تعلقنا بالطفل، بل أكثر من ذلك فإننا نتعاطف معه كما لو أننا نَعيش معه عنفوان الصِّبا وعُنْفَ الحياة..
هذا عن الشخص الذي يُشَكِّل المحورَ الذي تَدور حولَه الدلالة. أمّا الفضاء الشاخص كمكان، فإننا نَحصر فيه الجزء البارز طوليا مِن الباب والعتبة الفاصلة بين داخل الحجرة وخارجها وجانبا من السبورة والْمُلْصَقات في حجرة الدراسة وطاولات التلاميذ والمصباح الْمُتَدَلِّي مِن أعلى سقف الحجرة..
إذا نظرنا إلى هذه المؤثِّثات نظرة فاحصة، سنجد بأنها تَنهل مِن معين الواقعية دون زيادات أوتمويه.. والأكيد أن هيئة الطفل نفسه هذا الهارب مِن قلب الريف إلى قلب المدْرَسة القروية تُوحي بالمشارب الواقعية نفسها..
انشغال سائر التلاميذ بدروسهم، إلى درجة أنهم لم ينتبهوا إلى الطفل الواقف عند الباب، إنما يوحي هذا الانشغال بمستوى التهميش الذي بلغه الطفل، إنه الطفل الحالم بالالتحاق بصفوفهم، لكنه الحرمان يَقول كلمتَه الأولى والأخيرة..
الألوان التي يَغلب عليها البني والبرتقالي في معظم ما انتقاه بوغدانوف بيلسكي لتأثيث لوحته التشكيلية ترسم بتفصيل الإطار النوستالجي الذي يؤطِّر الْمُنْجَزَ التشكيلي، لماذا؟! لأن بوغدانوف بيلسكي يَشتغل بامتياز على مُكَوِّن الذاكرة، نظرا لأنه يُشَخِّص شخصية قريبة منه إلى درجة الحلول والتوحد.. إنه هو نفسه..
الطابع القروي الذي توحي به لوحة بوغدانوف بيلسكي (هذه) لاشك في أنه يَرصد بدقة جانبا من التاريخ القاتم الذي سَيَّجَ حقيقة العالَم الذي تَمَّ انتشال طفل اللوحة منها، وهذا إنما مَرَدُّه كَوْن ببوغدانوف بيلسكي طفلا غير شرعي..
هنا، ما علينا إلا أن نُجَرِّبَ مجددا أن نَضَع نفوسنا مكان طفل غير شرعي لِنَتَذَوَّقَ إحساسَه بالغربة واللاوجود واللاحياة، إنه تماما إحساسُ كلبٍ، إحساس كلبٍ في غير المواضِع التي تَرْأَف بالكلاب..
جَرِّبْ يا صديقي أن تتصور نفسَكَ كلبا، وأين؟! في المكان الذي يُهانُ فيه الإنسان إهانةَ كلبٍ..
سأُخَمِّن في أن تقول لي: عن أي كلبٍ أتحدث إليك يا صديقي، وثمة من الكلاب ما يحظى بحنان لا يَحلم به الإنسان نفسه؟!
لكن لَيْتَكَ تُجَرِّب هذه المرة أن تُحِسَّ إحساسَ إنسانٍ مَنْبُوذ، إنسان زهدَ فيه الآخرون، فإذا بهم لا يَأبهون له، لا يَرَوْنَ ولا يَسمعون..
هل هذا ما تَقوله اللوحة؟!
نَعَم يا صديقي، إنه شيء أَقْرَب إلى هذا الذي أُسِرُّه إليك، فما أَقْسَى، ما أَقْسَى أن يَكون المرءُ محروما بِحُكم لاشَرْعِيته، ومتى؟! في عُمر الطفولة..
قَدَما الطفل خارج غرفة الدراسة، وعصاه (قدَمه الثالثة التي يُعَوِّل عليها) داخل الحجرة.. ما معنى هذا؟!
إنه إيحاء بليغ من جهة الفنان بوغدانوف بيلسكي، بل هو ذكاء إيجابي يحاول من خلاله صاحبُنا أن يُصَوِّر لنا الرغبة الجامحة التي لا تَكتفي بأن تُسابِق ظِلَّ الإنسان، إنما هي رغبة تَتَقَدَّم خَطَّ الحَدّ الذي يَنبغي ألا تَتجاوزَه القَدَمان..
إنَّ كَوْنَ بوغدانوف بيلسكي طفلا غير شرعي في مجالٍ مكاني قروي معناه أنه مُبْعَدٌ (ومطرود لِمَ لا) عن حياة أقرانِه من أطفال القرية، وهذا ما حدده بوغدانوف بيلسكي بوضوح حينما رسمَ تركيزَ ملامح وُجوه الأطفال على دفاترهم المبسوطة على الطاولات..
بهذا، فإن بوغدانوف بيلسكي يُحاول جاهداً أن يُشركنا معه في إحساسه بالحزن والتهميش والإقصاء وما إلى ذلك مما يَمْتَصُّ حضورَ الطفل (بطل الصورة) الذي لا يَختلف عن إحساس بوغدانوف بيلسكي نفسه وهو في عُمر الطفل المرسوم..
إنه مَشهَد يعكس إلى أي مدى كان بوغدانوف بيلسكي الطفل يَتُوق تَوْقا حارّا إلى الاندماج في حياة غيره مِن الأطفال الشرعيين الذين لم يَغِبْ عنهم حقُّهم الطبيعي في التمدرس وغير ذلك من حقوق..
هذا الحنين إلى الدخول في حَيِّز مساحة الآخرين مِن منطلق المشارَكة والتجاوُب جعل بوغدانوف بيلسكي لا ينسى الصفعةَ التي تَلَقَّاها على وجه روحه البريئة ما أن اكتشف بأنه طفل غير شرعي..
فما معنى أن تَكون طفلا غير شرعي؟!
- معناه حرمانك الكُلِّي مِن كل ما ينخرط فيه الآخرون..
- معناه أن تُحِسَّ بأنك مسجون..
- معناه أن يُلقى بك خارج مَدار زمن الآخرين..
- معناه أنه يَلزمك الكثير مِن المحارَبة في مَعارِك لا تَعِدُكَ بانتصار من أجل استرداد بعض الحقوق الطبيعية التي تُعيد نسبيا رَسْمَ شكل الاعتراف بك، وفي مقدمة هذه الحقوق التي تَجعلك تَلِجُ بابَ الحياة حَقُّكَ في ولوج الْمَدْرَسة التي تُقاسُ بجودة تَعليمها البُلدان المتقدمة..
ولعل هذا الحرص على الوقوف عند الموضوعات التي تقترب من الحياة اليومية الواقعية هو ما اسْتَنْزَفَ ألوان وخطوط بوغدانوف بيلسكي، فهو لم ينشغل إلا بما يؤكد ضرورة الانتباه إلى هؤلاء الذين نَسْتَكْثِر عليهم أن يَتَذَوَّقُوا معنا شيئا من كعكة الحياة..
الحياة!
الحياة.. صَدِّقْ يا صديقي أنها الكعكة التي نُجْبَرُ (أنتَ وأنا) على أن نَقْتَطِعَ شيئا منها بالقوة..
وهذا طبعا أكثر ما جعل بوغدانوف بيلسكي يُقْبِل بحرارة وحُبّ (وبقوة) على دراسة الرسم الذي تَسَلَّلَ إليه من نافذة الهواية ليَتَفَرَّغَ له في ما تَبَقَّى مِن حياته راصدا ومجسِّدا هزائمَ الإنسان في حرب الزمن..
إن الرسم هو البديل الذي ارتأى بوغدانوف بيلسكي أن يَتَّخِذَه مُسَكِّنا لآلام الحرمان العاطفي.. فلا أحَد، لا أحَد في وُسعه أن يُقدِّر أن حرمانك من دفء العاطفة بحرٌ أكثر ظُلمة من الليل..
الحرمان العاطفي شَكَّلَ مقدمةً لحرمان مِن الحق الأكبر الذي لا يمكن السكوت عنه بحال، إنه الحقّ في التَّعَلُّم، ولْيَكُنْ مِن ثمة الحقّ الذي يُؤْخَذُ بالقوة، الحقّ الذي يُنْتَشَل، الحقّ الذي يُعْتَصَر..
وضعية الجسد كما تَنطق بها وَقفة الطفل المستقيمة، في صورة تَشِي بحُسْن متابعته لأجواء الدراسة بعيدا عنه، تُوحي بما لا يَقبل الجدال بأن الطفل كان ومازال كثير الإقبال والتَّرَدُّد على الحجرة الدراسية..
- لكن ماذا عن موقف الآخرين الذين نَجِدُهم باهتمام متابعين لسَيْر خُطَّة التدريس؟!
- هل نَجِدُ منهم المواكِبين لما يَحدث مع الطفل المحروم أو الْمُعْفَى إعفاءً قسريا مِن حقّ لا يتسامح فيه الآخرون؟!
- هل هُمْ يَسْتَرِقُونَ النظر إليه أم أنهم لا يُكَلِّفون عيونهم الصغيرة عناءَ اختلاس نظرة واحدة تُذْكَر إلى بَطَل مأساة كبيرة؟!
- هل مِنْ هؤلاء مَنْ لاحظ بالصدفة وجود الطفل العابر لقارات الأَلَم إحساسا بفقره وعجزه نظرا لكونه الابن غير الشرعي لواحد مِن الناس القرويين الذين لا حول لهم ولا قوة؟!
- ومِن هنا، كيف السبيل إلى الرَّبط بين عتبة الفقر والعجز عن الفعل وبين عتبة الْمَدْرَسة التي يَطمح صغيرُنا إلى عبورها لكنه تَنقصه الأَذْرُع التي تَدفعه دفعا إلى الأمام؟!
إن في مقدمة هذه الأَذْرُع الآذِنة بِكَشف شيءٍ مِن الضوء للصغير الْمُغَيَّب يأتي الاعتراف، فلا غرابة أن يَكون الاعتراف بوجود الطفل أَعَزّ ما يُطْلَب في ظِلّ عدم الاعتراف بوُجوده رغم وُجوده..
ولعل هذا ما خَدَمَ بالدرجة الأولى الكبير بوغدانوف بيلسكي، لماذا؟! لأن إحساسَه بالفَقْد المعادِل لخط الحرمان هو ما جعل بوغدانوف بيلسكي يُقْبِل بِشَغَف لا تَحُدُّه حدود على دراسة الرسم دراسةً أكاديمية تُؤَهِّلُه لإعادة كتابة التاريخ..
إنه تاريخ بوغدانوف بيلسكي يُعيد نفْسَه، ولولا انخراط صاحبِنا الفنان في أكاديمية الرسم بروسيا، وكذلك في كلية الفنون والهندسة المعمارية، لَمَا قبضَ بوغدانوف بيلسكي على شُعلة الضوء الحالفة بالنجاح في اختبار قُدرة الأنامِل الذهبية على التشكيل مِن باب كِتابة السيرة الذاتية بالفُرشاة والألوان..
وحدها الفرشاة (بمساعدة الألوان) تَحكي لك عن الوحدة، عن قسوة العزلة، عن نار إحساسك بانطوائك على ذاتك بسبب رفض الآخَرين لك لأسباب خارجة عن إرادتك..
أثواب مُهَلهلة وقُصاصات عَبَّرَتْ بشكل مُتَفَوِّق عن حالة طفلٍ فقير يَفوز في سِباق البطولة على امتداد اللوحة، لكن مهلا، فخلفَ هذا الفقر كانت ثمة ذاتٌ واعية ومُدْرِكة كُلّ الإدراك أن الدراسة تستحق التقدير والاحترام، وهذا ما كشف عنه الطفل بطلُ الصورة وهو يُنَحِّي قُبَّعَتَه جانبا كَشَكل مِن أَرْقَى أشكال التعبير عن التحضُّر ذَوْقاً في احترامنا الْمُطْلَق للإنسان العالِم (المتعلِّم) ذاك الذي يُجَسِّده تلاميذ الحجرة الدراسية المصوَّرة رسماً..
- لكن هل كانت هذه التحية البروطوكولية في تربية الروسيين (باعتبارهم أهلَ ذوقٍ) تَسمح للطفل أو تُجيز له أن يَتَجَرَّأَ ويَتَقَدَّمَ إلى الحجرة الدراسية؟!
- هل هو الخوف الْمُتَرَقَّب مِن إفساد المناخ الدراسي؟!
- هل هو التردد في مدّ الخطوة؟!
- هل هو الألم الدفين نظرا لكون الطفل المسكين طفلا غير شرعي؟!
- هل هو تفادي موقف الحَرَج الذي قد يزجّ الطفلُ المقهور بنفسه فيه أمام أقرانه من القرويين الذين يَحصدون سنابل الاعتراف في حقل الحياة اليومية؟!
لِنَتَحَدَّثْ عن الاحترام والإجلال اللذين يكنّهما الطفلُ طالبُ الحظ في نصيب من رغيف العِلم ذاك الضارب لك موعدا مع اللذة، وَلْتَكُنْ تِلك هي اللذة البعيدة عن أقنعة الزَّيف ومساحيق التجميل الواعدة بالقُبح أكثر مما يَنبغي..
طفلُ بوغدانوف بيلسكي أسطورةُ حُزنٍ مَنفي في أقاصي جبال الروح تلك التي أَقْسَمَ الزمن أن يَدكَّ أهاليها دكّاً.. إنه الزمن الملتوي التواءَ أفعى تتوعدك بالموت فوق صفيح الحياة الساخن، لكنك تَتَمرغ فيها شيّاً ولا تَسعد بضربة مميتة..
مع هؤلاء الأشقياء نَحلم، نحلم بأن نَلْتَمِسَ ألوان قوس قزح، وأيّ ألوان؟! إنها الألوان التي نُمَنِّي نُفوسنا أن تَبقى ممددة في سمائهم تلك المعلَّقة على عمود القلب المشروخ أو على أَعْمِدَة العيون الجافَّة..
هكذا تُحَدِّثُنا حديثَ الشجن أيادي الصمت الخَشِنَة.. إنها الأيادي العابثة بِقَدَر الآخَر، ومَن يَكون هذا الآخَر غير ذاك الذي لا ذَنْب له سِوى أنه فَكَّرَ في عبور عتبة الحياة في اللحظة الفاصلة بين الموت والحياة..
صَدِّقْ يا صديقي أنها لحظات اللامبالاة تلك التي تُسكِر العيون والآذان، فإذا بالقلب والعقل لا يَرَيان ولا يَسمعان، وإذا بمطرقة الصمت الجاثم تَهزّ عرش تطلعك إلى الانتصار لذاتك الذائبة ذوبانَ أُصْبُع الشمع..
مطرقة الصمت هي الأخرى يرتفع لها صوت في ذروة حركة السكون، لا بل إنها لن تتوانى عن أن تَصنع بك ما يُفترض أن تَصنعه هي بمسمار، مسمار كُلُّ ذنبه أنه تابِعٌ يُجيد لغةَ الخضوع والخنوع، فكيف له مِن ثمة أن يَكفر بِدِين الآلة الضاربة طَرْقاً؟!
طِفلُنا الصغير يُحَلِّق بعيدا عن مَنْبت قدميه عند عتبة المدرسة في لوحة بوغدانوف بيلسكي، يُحَلِّق هو بأَجْنِحَة التَّمَنِّي وكُلّه أَمَل في فرصة تَنْتَشِلُه مِن قلب بحرِ جهنم.. وما جهنم غير ذاك الجهل الذي يَنْأَى الفنان بإحساسه عن أن يَسْتَسْلِمَ لحديدِه وناره..
الجهلُ عبودية، والمعرفة حرية، ومِنْ هنا آثرَ شاعرُنا الأخرس بوغدانوف بيلسكي أن يَتَحَرَّرَ مِن قضبان سِجن العبودية لِيَتَعَلَّمَ، يَتعلم أن يَعرف، لا لشيء سِوى لأن المعرفة حياة، بل لا شيء غير المعرفة يَعِدُ بحياة مثالية..
اِعْرِفْ تُعْرَفْ.. هذه هي العِبرة التي يَطيب لنا أن نَستشِفَّها ونُسَطِّرَ تحتها هنا، لماذا؟! ببساطة لأن زميلنا في مَدرَسة الإحساس بوغدانوف بيلسكي تَعَلَّمَ أن يَعرفَ، ولأنه خاضَ تجربةَ الإبحار في المعرفة فقد هَيَّأَ لنا الظروف الْمُشَجِّعة لِنَعْرِفَه بدورنا..
عند باب مدرسة الحياة، مِن المؤكد يا صديقي أن تَخُونَكَ الكلِمات، فلا تَجد أنتَ منها ما يُداوي حرارةَ إحساسهم هُم الذين كُلّ هَمِّهم أن يَبحثوا عن مسافةِ فجوةٍ للتحرر..
إنه التحرُّر مِن قيد الجهل، التحرر مِن الشعور بحُمَّى الحرمان تلك التي تَجتاحهم تحت مظلة العجز، بل أكثر مِن ذلك لِنَقُلْ إنه التحرر مِن مُرَكَّب النقص الذي يَكبر فيهم ويتمدد مع تشابُك خيوط الرغبة واللاَّقُدرة..
هؤلاء ما كان لهم لَوْلا شيء من الإرادة والتحدي إلا أنْ تَجِدَهم يُطحَنون، يُمْضَغُون هُمْ كما يُمْضَغُ الإحساس، إحساسهم بالغبن، يُمْضَغُون هُمْ كما تُمْضَغُ الروح، رُوحُهم الْمتعَبَة، روحُهم المذبوحة صُراخا تحت أنياب الوجع..
ما أَوْجَعَها!
ما أَوْجَعَها طيور الروح المحلِّقة بعيدا عن مَلاذاتها في غير السماوات الآيِلة لإمطار!

سعاد درير