كتاب وأراء

«كوميديا» سوريا المفيدة

خبران سوريان بالغا الدلالة تناقلهما السوريون على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، الخبر الأول نشره عضو مجلس برلمان سوري سابق، ويقول فيه إن تحطم المركبة الفضائية الاسرائيلية (بيرشيت) وهي تحاول الهبوط على سطح القمر هو عمل استخباراتي سوري، وجاء ردا على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا.
وأن الرد السوري على العدو الإسرائيلي سيأتي من حيث لا يتوقع العدو، متوعدا بعمليات مشابهة لعملية تحطم المركبة، قد يبدو للوهلة الأولى أن كلاما كهذا هو أقرب للمزاح لولا أن العديد من السوريين المؤيدين للنظام السوري تناقلوه معتزين بما قامت به المخابرات السورية، مثلما احتج بعض المؤيدين على هذا الكلام باعتباره لا يمت إلى الواقع والحقيقة بصلة، وهو ليس أكثر من ادعاء فارغ لا معنى له.
المثير في الأمر ليس في كلام النائب، إذ اعتاد على كتابة منشورات فيسبوكية من هذا المستوى من الادعاء منذ زمن طويل، حتى ليقال إن هذه الصفحة ليست له وإنما أنشأها مناهضون للنظام، ويقولونه بها ما يسيء للنظام من مبالغات في استعراض القوة والذكاء الاستخباراتي السوري، المثير إذا هو تصديق الكثير من المؤيدين لكلامه وتناقلهم ما يكتب على صفحته بوصفه حقيقة مؤكدة، وهو ما يستدعي العجب فعلا، إذ أن الشرائح التي تتناقل كلامه هي من فئة الشباب، ومعظمهم من طلاب الجامعات، أي يفترض أنهم على مستوى ما من القدرة على التمييز العقلي بين الممكن والمستحيل، ومن غير الممكن تحليل هذه الظاهرة وإحالتها إلى أي منطق، سوى منطق التعلق بأي شيء يعتقدون أنه يمكن أن يبرر لهم تأييدهم لنظام كهذا، أو منطق الخوف من التغيير الذي يجعلهم في حالة مدهشة من الإنكار والتعامي، فهم اعتبروا منذ البداية أن تأييدهم للنظام لكون النظام الممانع الوحيد في المنطقة، والذي يقف شوكة في حلق إسرائيل، غير أن إسرائيل تستبيح سماء سوريا كل أسبوع تقريبا، وتقصف أهدافا عسكرية سورية وإيرانية في قلب سوريا، والطلعات الإسرائيلية تتم بموافقة روسية، وروسيا هي الحليف الأهم للأسد ونظامه، ومرحب بها جدا من قبل مؤيديه، ومع كل قصف إسرائيلي لسوريا يصرح مصدر سوري مسؤول أن سوريا تحتفظ بحق الرد، وطبعا الرد على إسرائيل لم يأت ابد ولن يأتي في يوم من الأيام، وهو ما يدركونه في قرارة أنفسهم لكنهم ينكرونه علنا، ويتعلقون بخبر كاذب ومدعى كالخبر السابق حول تحطم مركبة الفضاء الإسرائيلية، ليغلفوا ضمائرهم بقليل من الرضا.
الخبر الثاني هو خبر فوز شام الأسد ابنة ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري بالمركزين الأول والثاني في مسابقة الفروسية! نعم، هذا الكلام ليس مزاحا، هذا خبر نشر مع صورة شام الأسد وهي تضع قدما على درج المركز الأول وقدما على درجة المركز الثاني في منصة التتويج، وتحمل في يديها كأس المركز الأول وكأس المركز الثاني! ولا أظن أن هناك سابقة لخبر كهذا، إذ كيف يمكن أن يفوز أحد بمسابقة واحدة بمركزين في الوقت نفسه؟! لكننا في سوريا الأسد، حيث يريد آل الأسد استباحة كل شيء واحتلال كل شيء، بالقوة وبالتزوير وبالنصب وبكل الوسائل القذرة الممكنة، هذا طبعا عدا عن العجرفة والاستعراض في أن تفوز طفلة بمسابقة فروسية في دمشق في الوقت الذي يوجد فيه آلاف الأطفال المشردين في شوارع دمشق يعانون اليتم والفقر والإدمان على أرخص أنواع المخدر، حيث سجلات آلاف الحالات لأطفال سوريين يدمنون لاصق الشعلة، وهي مادة مخدرة ومهلوسة إلى حد ما وسامة وقاتلة مع الادمان المستمر لها، ولعل صورة الطفلة السورية المدمنة التي ألقت بنفسها في نهر بردى قبل أسابيع قليلة مع صورة شام الأسد الفائزة بمركزين في مسابقة واحدة هو صورة سوريا الحالية، المفيدة كما يراها آل الأسد ومؤيدوهم.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران