كتاب وأراء

الأصنام العسكرية.. ما خفي أخطر ! (2)

وبالنظر لما حدث في الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي وما يجري الآن من حراك ثوري في السودان والجزائر لا تزال المعطيات لم تتغير والأحداث رغم اختلاف الجغرافيا تنبيء بنفس النتيجة لو لم تنتبه القوى الثورية والفصائل السياسية للأخطاء التي وقعت فيها الشعوب التي سبقتها في الخروج للميادين مطالبة بحقوقها ساعية لنيل حريتها.
وجاء نزول جموع الشعبين الجزائري والسوداني ليثبت أنه رغم كل ما قامت به القوى الخارجية الغربية بمختلف توجهاتها ومطامعها وصراعاتها وحليفها الكيان الصهيوني بالاتفاق مع المؤسسات الداخلية لدول الربيع العربي وعلى رأسها المؤسسة العسكرية وبدعم سخي من معسكر الثورة المضادة الخليجي بقيادة السعودية والإمارات لم يفلح بعد كل هذا في أن تصاب الشعوب المقهورة باليأس وتركن للاستسلام للمخطط المرسوم لها بالبقاء على الهامش في أوطانهم وهم أصحاب الحق الأصيل فيها وفي خيراتها، ورغم السيناريوهات المتعددة التي تم تنفيذها لوأد وإحباط الموجة الأولى والتي نجحت مرحليًا ومؤقتًا في إعادة الوضع السابق لما قبلها لكن بفاتورة باهظة التكاليف ومرعبة.
ربما لم تنج من هذا إلا تونس بصورة جزئية ويعود هذا بشكل رئيسي لكون القوات المسلحة التونسية كانت بعيدة إلى حد ما عن المجال السياسي وتغول القوى الأمنية والمخابراتية على حسابها، خصوصًا في عهد بن علي الذي منحها امتيازات متعددة على حساب المؤسسة العسكرية، مما جعل الأخيرة تنحاز إلى جانب الشعب، وفي النهاية حدث تغيير لا يمكن وصفه بالجذري في البنية السياسية للدولة أدى إلى نظام ديمقراطي هَشّ منشغل بالعشرات من المشاكل الداخلية سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وأمنيًا، منكفئ على نفسه داخليًا في محاولة لتحقيق بعض الإصلاحات التي يشعر بها المواطن العادي على المستوى الاقتصادي والأمني في ظل خلافات حزبية داخلية وضغط خارجي مستمر، مدعومًا بمنظومة الدولة العميقة وبقايا نظام بن علي، بل إن الرئيس التونسي «السبسي» نفسه كان رئيسًا لجهاز الأمن الوطني وتولى حقائب الداخلية والدفاع والخارجية في عهد بورقيبة وكان رئيسًا لمجلس النواب في عهد بن علي، وفي مصر انقلاب عسكري دموي أعاد النظام القديم لكن بوجوه جديدة وتفوق عليه في العنف والدموية والوحشية، وبقيت بنية الدولة العميقة من الجيش والشرطة والإعلام والقضاء والاقتصاد قائمة كما هي وتمتلك كل الأدوات القادرة على إفشال أي تغيير جذري، وعمل نظام السيسي الانقلابي المدعوم غربيًا وصهيونيًا وخليجيًا من السعودية والإمارات على امتصاص المد الثوري وإنهاك القوى الثورية والاستفراد بها واحدة تلو الأخرى والانقضاض عليها لإفشالها لتعطي مثالًا سلبيًا للثورات، مما يمنع من تمددها وانتشارها، والنتيجة غرقت مصر في انقسام سياسي ومجتمعي حاد وكوارث اقتصادية يصعب التعافي منها مستقبلًا، مما يجعلها رهينة للدول الداعمة للنظام وخاضعة لتوجيهاتها بصفة مستمرة خوفًا من الارتداد الثوري، وأقر البرلمان الانقلابي مؤخرًا تعديلات دستورية تعتبر بمثابة صكاً لإعلان ملكية السيسي وعصبته العسكرية لمصر بما فيها ومن عليها. في ليبيا حدّث ولا حرج، انهارت السلطة المركزية وتعمقت الأزمة السياسية والأمنية مع تنافس حكومتين على الأرض إحداهما معترف بها دوليًا حكومة الوفاق الوطني في طرابلس برئاسة فايز السراج وبين حكومة موازية في شرق البلاد بقيادة عبدالله الثني متحالفة مع ميليشيات عسكرية يقودها جنرال انقلابي مارق من حقبة القذافي- خليفة حفتر- والنتيجة والمحصلة دولة بلا دستور دائم تعاني من الانقسام والتمزق، وفي حالة اقتصادية وسياسية وأمنية يرثى لها، وصراع عسكري تدور رحاه بشكل مستمر في ظل استقطاب دولي وإقليمي حول ثروات ليبيا بشكل أساسي، وفي اليمن حرب أهلية دموية تدور رحاها بكل شراسة بعد انقلاب جماعة الحوثي التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران واستيلائهم على السلطة، وأصبحت البلاد مقسمة بين سلطتين إحداها في صنعاء غير معترف بها دوليًا والأخرى في عدن تحت رئاسة عبد ربه منصور هادي معترف بها دوليًا وتساندها قوات التحالف السعودي-الإماراتي أصحاب المطامع الواضحة في اليمن والشرعية وحقوق الشعب اليمني مجرد ستار لتدخلها ليس أكثر دون قدرة أي طرف على حسم المعركة لصالحه.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري