كتاب وأراء

إسهامات المبدعين والانحياز إلى نبض المجتمعات - «2»

لقد ظلت إسهامات نخب الثقافة والفكر والإبداع منحازة دوما إلى آمال الشارع، ورافقت كتابات أهل الابداع شعرا ونثرا ومسرحا وسينما وإسهاماتهم في الفن التشكيلي، أحلام أغلبية أهل السودان في حياة كريمة لا يتخللها تعسف السلطات الديكتاتورية.
انعكس واقع الابداع الأصيل في الوعي العميق الذي اكتسبته الأجيال جيلا بعد جيل، في تواصل مشهود له ثمرات طيبة عبر مسارات الأزمنة.
كانت الحركات الطلابية تفتش بشغف شديد عما قدمه المبدعون الاصيلون لشعبهم من إنتاجات إبداعية تبصر الحاضر وتستحضر الماضي وتستشرف المستقبل.
أتذكر أن العديد من الجامعات في السودان في نهايات عهد نميري، كانت تحتفي بالإبداعات الأصيلة لمبدعي الوطن في انتمائهم إلى اختيارات الشعب في الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية.
من بين مبدعين كثر كان هنالك احتفاء كبير بكتابات الشاعر الراحل المقيم محجوب شريف.. ومن بين أشهر قصائده التي غناها (وردي) بعد انتفاضة مارس ابريل قصيدة يقول فيها: (على أجنحة الفجر ترفرف فوق أعلامك.. ومن بينات أكمامك تطلع شمس أعراسك).
ومن بين الأصوات النقية الثائرة في درب الاغنية الوطنية توقف الشباب والطلاب بشكل متجدد عند ابداعات الفنانين: وردي ومحمد الأمين وأبوعركي ومصطفى سيد أحمد ومحمود عبدالعزيز، وغيرهم من المبدعين الأصيلين المنحازين إلى آمال الشعب.
كانت الأغنيات الثورية باستمرار ملهمة ومحركة لمطالب كل فئات الشعب.
في مختلف عهود الديكتاتورية كانت أجهزة القمع تخشى تأثير المبدعين الأصيلين لأن ما يقدمونه من أعمال ابداعية نابع من قلب الجماهير ومعبر بحق عن اختياراتها وشعاراتها.
مما حدث في عهد نميري أن جهاز أمنه حاول مرة خنق الفنان محمد وردي.. وقال وردي إنهم كانوا يريدون «القضاء على حنجرتي»!.
وقال وردي في حوار تليفزيوني انه طلب من وزير الداخلية في عهد نميري لدى زيارته للسجناء السياسيين في سجن كوبر ان يأمر بإعادة عوده إليه –حيث صادر أفراد الأمن عود وردي لدى قيامهم باعتقاله.. فرد ذلك الوزير قائلا: لن نرجع لك العود.. نحن لم نعتقلك وأنت فوق ظهر دبابة.. وإنما اعتقلناك بسبب هذا العود!».
إن تجارب الكثير من المبدعين في وقوفهم على مدى العقود والسنوات مع خيار التجربة الديمقراطية كنظام للحكم في السودان يخلدها المجتمع، مثمنا أهمية وجود مبدعين حقيقيين لا يخونون قضايا شعبهم.
إن آمال الشعب ترافق واقع الانتصار الجديد بعد الاطاحة بالبشير.. ويلحظ كل مراقب للأحداث في السودان بعمق ودقة وإنصاف ونزاهة وأمانة ان هنالك تصميما لحماية هذه الثورة التي تقدم الشباب من الجنسين صفوفها.. وهو تصميم مستمر لمواجهة بعض القوى غير الديمقراطية التي تستهدفها.
ان وحدة صفوف الشعب والانصات العميق إلى الأفكار المتميزة من شأنهما أن يؤمنا مسيرة الثورة الجديدة المعبرة عن كل الشعب من ان يحاول «أعداء الشعب» محاصرتها.
بقلم: جمال عدوي

جمال عدوي